الزركشي

209

البحر المحيط في أصول الفقه

ثلاثة وتوقف في الزائد عليه والمشهور حكاية هذا في تأخير البيان عن وقت الحاجة ونقل بعضهم عن الأصول للأستاذ أبي إسحاق أن محل الخلاف في هذه المسألة فيما إذا ورد الخطاب العام بعد وفاته عليه السلام فإن ورد في عهده وجب المبادرة إلى الفعل عمومه لأن أصول الشريعة لم تكن مقررة . [ مذهب الصيرفي في العمل بالعام قبل البحث عن مخصص ] وفي ذلك نظر لما سبق من كلام الصيرفي في كتاب الدلائل الخلاف في ذلك فقال ذهب جماعة إلى أن ما سمع من النبي عليه السلام من القرآن والسنة من العام مخاطبا به فلا يجوز أن يتركه حتى يبينه للمخاطبين ليصلوا إلى علم ما أمروا به وأما الساعة فقد تكامل الدين وثبوت الناسخ والمنسوخ فليس على من سمع آية من العام العمل بها حتى يسأل أهل العلم فيعرف حكمها لما في ذلك من النسخ والتخصيص وإن كان ممن يبحث وله أن يبحث فقد أتى بما يمكنه فليس عليه إلا اعتقاد ما سمعه إذ قد بلغ ما يمكنه في الجملة وليس للعلم غاية ينتهي إليها حتى لا يفوته منها شيء . واختار قوم جواز تأخير البيان منه عليه السلام إلى وقت التقييد وقال قوم على من سمع شيئا وحصل في يديه أمر من الله أو نهي اعتقاد ما سمع حتى يعلم خلافه قال أبو بكر والذي أقوله إن كل آية أو سنة خاطب الله بها أو رسوله مواجها بها من يخاطب آمرا أو ناهيا فلا يجوز أن يخاطبه به النبي صلى الله عليه وسلم وحكمه في تلك مرفوع لأنه يصير آمرا بشيء حكمه أن ينهى عنه في تلك الحال وهو محال في صفته عليه الصلاة والسلام ولا يجوز أيضا أن يواجه رجلا آمرا له بشيء أو ناهيا عنه باسم عام ووقت بيانه ممكن ولا يتقدم ما يوجب له البيان فيصير ما يريد منه أن يعلم من خطابه أو فعله بخلاف ما أظهر لأنه في الظواهر آمر له بخلاف ما يريد منه ولا سبيل له إلى علم من لفظه لأن الله تعالى أمره أن يبين ما أنزل إليه وهذا خطاب من كتم لا من بين والرسول عليه السلام أعلم بالله من أن يفعل ذلك . فإذا سمع المخاطبون ذلك منه عليه السلام ثم فارقوه واحتمل ورود النسخ عليه فعليهم الإقامة عليه حتى يعلموا أن الله أزاله أو رسوله لأنه قد حصل في أيديهم اليقين فلا يزولون عنه لإمكان ما يجوز أن يكون رافعا ولا يتوقفون عنه لأن في ذلك إسقاط ما علم صحته لما لا يعلم كونه .