الزركشي
210
البحر المحيط في أصول الفقه
وقد علم أن الناس لا يمكنهم مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال لا يفارقونه بل عليهم استعمال ما علموه حتى يعلموا خلافه مع احتمال زوال ما علموا أو وجب عليهم تبليغه قال تعالى لأنذركم به ومن بلغ . وعلى ذلك جرى أمر السلف كابن مسعود في الكلام في الصلاة لم ينزل عليه حتى قدم عليه السلام فأخبره أنه لا يجوز وكان معاذ ومن بلغه معاذ سواء في الاعتقاد وفي الفعل حتى يعلم خلافه وإلا فلا معنى لتوجيهه ليعلم الناس لإمكان نسخ ما بعث به . ثم قال باب الإبانة عما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم غير مواجه في الصلاة وغيرها قال قائلون ليس على من سمع ذلك اعتقاد ما سمع ولا فعله حتى يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فيبين له لأنه لم يواجهه بالخطاب وإنما سمع درسا وقد يدرس المنسوخ . وقيل لا يكلف إلا ما سمع حتى يعلم خلافه وقال أبو بكر والذي أقوله إن كل آية سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم بأمر أو نهي وكان الكلام قد تم ولم يتعقبه ويقارنه بما يقتضي تخصيصه فعلى السامع اعتقاد ما سمع حتى يعلم خلافه ثم احتج على ذلك بأمور منها قوله تعالى وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قال فلما سمعوا عند انقضائه أثنى عليهم عند التقضي بالانصراف ولم يتوقفوا للسؤال ولا غيره فلما آمنوا به لزمهم حكم ما سمعوا حتى يعلموا أن الله أزال حكمه وأبقى تلاوته . وظاهر كلام الصيرفي أن الشافعي يقول ذلك فإن من جملة ما احتج به على هذا أن الشافعي احتج على خصوصه بقوله ربما حضر الرجل من الصحابة قد سمع الجواب ولم يسمع السؤال والكلام يخرج على السبب فيحكي ما سمع وعلى كل إنسان أن يحكي ما سمع حتى يعلم خلافه فإذا كان هذا من النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يكون الجواز ممكنا من النبي عليه السلام والصحابة يسمعون ذلك ويمكنهم سؤاله فيجيبهم فهو في غيرهم أولى . ثم قال باب الإبانة عن العام يسمع من غير النبي صلى الله عليه وسلم في عصر النبي عليه السلام وهلم جرا إلى وقتنا هذا فنقول كل آية أو سنة وردت علينا فالواجب علينا اعتقاد ما سمعنا حتى نعلم خلافه من خصوص أو نسخ وعلتنا فيه ما اعتللنا من أمر معاذ وغيره من عمال النبي عليه السلام ومن لم يلق النبي عليه السلام بل اعتقدوا ما سمعوا منه وعملوا به لأنه لو جاز التوقف لاحتمال الخصوص لجاز التوقف عما علمناه