الزركشي

171

البحر المحيط في أصول الفقه

عطش فأمر غلامه أن يأتيه بماء حلو في كوز وأن يرفق في مجيئه ولا يكون منه عجلة ولا لعب فله أحوال . أحدها أن يقعد فلا يأتيه بشيء فالمخالفة فيه ظاهرة . والثاني أن يأتيه بالكوز ليس فيه ماء فهذا ارتكاب المنهي عنه لعينه لأن وجود هذا الكوز كالعدم . والثالث أن يأتيه بالكوز وفيه ماء مالح زعاق فهو كالذي قبله في المخالفة وارتكابه المنهي عنه اللازم له . الرابع أن يأتيه بكوز ماء عذب بارد ولكنه جرى في مجيئه وخالف ما نهي عنه من ذلك فلا ريب في أن امتثال المقصود قد حصل وإن كان قد خالف في أمر خارج عن ذلك فهذا هو المنهي عنه لغيره . وحاصله أنه لم يتوارد فيه النفي والإثبات بالنسبة إلى معنى واحد وأقوى ما يرد من قال بأن النهي عن الشيء لغيره يقتضي الفساد أن من تعين عليه قضاء دين وهو متمكن من أدائه فاشتغل عنه بالتحرم بصلاة مفروضة أو إنشاء عقد بيع أو نكاح فإن صلاته لا تصح وكذلك بيعه ونكاحه ولا قائل به . [ النهي في المعاملات يدل على الفساد ] : الأمر الثاني أن أصحابنا ذكروا أن النهي في المعاملات يدل على الفساد إن رجع إلى أمر داخل فيها أو لازم لها فإن رجع إلى أمر خارج لم يقتضه فصرحوا بالراجع إلى أمر داخل أو خارج أو لازم وسكتوا عما شككنا فيه هل هو راجع إلى الداخل أو الخارج وهي مسألة مهمة نبه عليها الشيخ عز الدين في قواعده قال كل تصرف منهي عنه لأمر يجاوزه أو يقارنه مع توفر شرائطه وأركانه فهو صحيح وكل تصرف منهي عنه ولم يعلم لما نهي عنه فهو باطل حملا للفظ النهي على الحقيقة انتهى . ذكره بعد أن ذكر أن المنهي عنه لعينه والذي لم يعلم لماذا نهى عنه لأمر داخل أو خارج هو المحتمل لأن يرجع إلى داخل . الأمر الثالث أن القائلين بأنه يدل على الفساد اختلفوا هل يدل عليه من جهة اللفظ أو المعنى أو خارج عن اللفظ والثاني قول ابن السمعاني والثالث قول الغزالي فإنه قال في المستصفى فإن قيل فلو قال قائل النهي يدل على الفساد إن رجع إلى عين الشيء دون أن يرجع إلى غيره .