ابن الذهبي

897

كتاب الماء

وإذا كانت السَّوداء سببا لاتّصال الفكر ، وكان اتّصال الفكر سببا لاحتراق الدّم والصّفراء وميلِهما إلى السّوداء ، والسّوداء كلّما قَوِيَتْ قَوِىَ الفِكْر ، والفِكْر كلّما قَوِىَ قَوِيَت السّوداء ، فهذا الدّاء العَياء الذي يعجز عن معالجته الأطبّاء . عشو : العَشَى : سُوء البَصَر ليلا ، والعَشَى : مصدر عَشَا الرّجل فهو أعْشَى إذا لم يُبْصِر باللّيل . ويقال : خَبْطَة عَشْواء ، أي : رَكْبَة على غير بصيرة . وأصله من النّاقة العَشواء لأنها لا تبصر أمامها فلات تتعمَّد مواضع خِفافها ، قال زهير : رأيتُ المنايا خَبْطَ عَشواءَ مَنْ تُصِبْ * تُمِتْهُ ومَنْ تُخْطِىءْ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ 44 وفي المثَل : ( هو يَخبط خَبْط عَشواء ) أي : لم يهتمّ بعاقبة أمرِه . وتعاشَى الرّجلُ في أمره إذا تجاهَل . والعَشَى : هو أنْ يتعطّل البصر ليلا ويُبْصِر نهارا ويَضعف في آخره . وسببه رُطبة من رُطوبات العين وغِلظها ، ورطوبة الرُّوح الباصر وغلظه . وأكثر ما يعرض للعُيون السُّود دون الزُّرق ، ولصغار الحِدَق ، ولمن تكثر الألوان في عينه ، فانّ هذا يدلّ على قلّة الرُّوح الباصرة في خلقته . وقد تكون هذه العِلّة لمرض في العَين أو بمشاركة المعدة للدّماغ . وسببه بُخارات غليظة تكدِّر الرُّوح وتغلِّظها لتكثيفها اياّها ، وفي النّهار تَلْطُف تلك البُخارات وتُحلّل بتلطيف الشّمس والضّوء وحركة اليَقَظة لها فيُبصر .