ابن الذهبي

896

كتاب الماء

العِشْقَ الحَلالَ يُطْلِق اللّسانَ العَيِىّ ويدفع التّبلُّد ويُسَخِّى البخيل ويبعث على النِّظام ويدعو إلى الزَّكاء وإلى عُلُوّ الهِمّة . وقيل لبعض الحكماء : انّ ابنك عَشِقَ ، فقال : الحمد لله ، الآن رَقَّتْ حواشيه ولَطُفَتْ مَبانيه ، ومَلُحَت إشاراته ، وظَرُفَت حركاته ، وحَسُنَت عباراته ، وحَلَتْ شمائله . وقد أطلنا الكلامَ على العشق لانشغال أهل الزّمان به . ونختم ما أردنا ايضاحه بما قرأناه لأبقراط ، إذ قال : العِشْقُ طَمَعٌ يتولَّد في القلب تجتمع فيه موادّ من الحرص . فكلّما قَوِىَ ازداد صاحبه في الاحتياج واللّجاج وشدّة القلق وكثرة السَّهر ، وعند ذلك يكون احتراق الدّم واستحالته إلى السّوداء التي هي مِنْ أخلاط البَدن الأربعة ومنشؤها من الطّحال ، والتهاب الصَّفراء وانقلابها إلى السّوداء ، ومن طغيان السّوداء فساد الفِكْر ، ومع فساده تكون الفَدامة ونُقصان العقل ، ورجاء ما لم يكن ، وتمنّى ما لم يتمّ حتّى يؤدِّى ذلك إلى الجنون ، فحينئذ ربّما قتل العاشقُ نفسَه ، وربّما مات غمّاً . وربّما وصل إلى معشوقه فيموت فرحا أو أسفا . وربّما شهق شهقة فتختفى منها روحه أربعا وعشرين ساعةً ، فيُظَنّ أنّه قد مات فيُقْبَر وهو حَىّ . وربّما تنفّس الصُّعَداء فتختنق نَفْسُه في تامور قلبه ، ويضمّ عليها القب فلا تنفرج حتّى يموت . وربّما ارتاح وتشوّق للنّظر ، ورأى مَنْ يُحِب فجأة فتخرج نَفْسُه فجأة دُفعة واحدة . وأنت ترى العَاشِقَ إذا سمع بذِكْر مَنْ يحبّ كيف يهرُب دمُه ويستحيل لونُه ، وهذا لا علاج له بتدبير من الآدميّين . وذلك انّ المكروه العارض من سبٍب قائم منفرد بنفسه تهيّأ التّلطُّف لازالته بإزالة سببه . فإذا وقع السّببان وكلّ واحد منهما عِلّة لصاحبه ، لم يكن إلى زوال واحد منهما سَبيلٌ .