ابن الذهبي

895

كتاب الماء

وعلامتُه غُؤُورُ العَين يُبْسُها وشُخوصُها كأنّ صاحبها ينظر إلى شئ لذيذ أو يسمع خبرا سارّاً . ويكون نَفَسُه كثير الانقطاع والاسترداد ، دائم التّنهُّد . ويتغيّر حاله إلى فَرَح وضَحِكٍ أو إلى غَمّ وبكاء ، ولا سيّما عند ذِكْر الهجر والنَّوَى . ويكون نَبضه مختلفا بلا نظام ويتغيّر نبضه وحاله عند ذكر المعشوق وخاصّه عند لقائه . ويمكن من ذلك أنْ يُستدلّ عليه إذا لم يكن معروفا ، فانّ معروفته أوّل علاجه . والحيلة ى ذلك أنْ تُذكَر أسماء كثيرة مِرارا وتكون يد المُعالج على نبضه فإذا اختلفَ اختلافا كثير أوصاف كالمنقطِع عند ذكر اسم منها علمتَ أنّه اسمُ المعشوق ، ثمّ تَذكر - أيضا - الشَّكْل والمساكن والنَّسَب والبلدان وتضيف كُلًّا منها إلى اسم المعشوق فإذا تغيَّر عليك النبض عند ذكر شئ منها عَرَفْتَه . فانّا قد جرَّبنا هذا . ثمّ انْ لم تجد علاجا الّا تدبير الجمع بينهما على نِحْلَة الشّريعة فَعَلْتَ ، فانّا رأينا من عاوَدَته السَّلامة وكان قد بلغ الذُّبول لشِدَّة العشق ، لمّا أحسّ بوَصْلٍ من معشوقه . فعاودته صحّته في أقصر مدَّة قضينا بها العَجَب العُجاب ، واستدللنا على طاعة الطّبيعة للأوهام النَّفسانيّة . وعلاجُه استعمال ما يُخْرِج السَّوداء وما يُرَطِّب ويُنَوِّم من الأغذية والأشربة . ولا شَىء كالوِصال . فانْ لم يتَّفق على الوجه الشّرعىّ فيُحتال في تَعَشُّق غير المعشوق ممّن تحلّه الشّريعة . وانْ كان العاشق من العقلاء نفعَته النَّصيحة والعِظَة وأنّ ما به ضرباً من الجنون والوسواس ، فانّ الكلام في هذا الباب ينفع نفعا عظيما . قال بعضهم : العشق أوَّلُه يُصَفِّى الهَمّ ويُهَذِّب العقل ، وهذا هو الممدوح الذي حَضّ عليه بعض الحكماء في قوله لأصحابه : اعْشِقُوا ولا تفعلوا حَراما فانّ