ابن الذهبي
347
كتاب الماء
والحُمْق على نوعين ، لأنّ النَّفْس لها قُوَّتان ، قُوّة نَظريّة ، وهي بها التّصرُّف والتّدبير ، وذلك باستقامةٍ من العقل النّظرىّ . والأخرى تُسمَّى العقل العملىّ . وكلّ واحد منهما قد تُصاب بالنّقصان أو بالتّشويش ، أمّا نقصانهما معاً فيسمَّى حُمْقاً مُطلقا . ونُقصان القوّة النّظريّة ، أي : ضَعفها يُسمَّى حُمقا نظَريّا . ونُقصان القوّة العمليّة ، أي : ضَعفها ، يُسمَّى حُمقا عمليّا . ولمّا كان الجمهور من النّاس لايميّزون بين قوّة القوّة النظريّة وبين ضَعفها صار أكثر إطلاقهم لفظَ الحُمْق على حال من نُقصان العقل العملىّ . وأمّا بطلانهما معاً فيسمَّى بُطلان الذّهن وزَوال العقل ، وهو أنْ يتعطّل نَقْلُها حتّى لايبقَى شعور البتّة بشَىء ، وهذا كما يعرض في الصَّرَع والسّكتة والغَشْى الشّديد . والمراد ببطلان الذّهن بُطلان فعلِه الذي هو الشّعور والحُكْم . وأمّا المراد بلفظ الذّهن فليس يبطل البتّة مدام الإنسان حيّا . وأمّا تشويشها فيسمَّى تشويش الذّهن وفساد الذّهن ، وهو أن تكون الأفعال الصّادرة عنه جارية على غير الصَّواب . وقال شيخنا العلّامة : إنّما يقال لضَعْف الفِكْر أنّه حُمق إذا كان ضعفه في الأشياء العمليّة ، أمّ ضعفه في العُلوم فلا يقال له حُمق بل بَلادة . ولا يُقال لجميع الأشياء العلميّة لأنّ ضعف الفِكر في عمليّات الطّبّ والهَندسة لايُسمّى حُمقا بل ضَعْف صناعةٍ . وإنّما يسمَّى حمقا ما كان من ضعفه في التّدبير ، وهو الذي تكون به المخالطة مع النّاس ، ولهذا يسمَّى المرتفِع على النّاس بغير استحقاق أحمق ، لأنّ لفظ العقل إنّما يُطلق في العُرْف العامّيّ على حِسّ التّدبير فيما يتعلّق بأحوال كلّ شخص في أخلاقه ومُخالطته مع النّاس ، وسياسته لهم . فمَنْ كان مِنَ النّاس حَسَنَ التّدبير في هذه الأشياء يسمّونه عاقلا ، ولذلك يكونِ الحمق عندهم هو القُصور في هذه الأشياء لقصور الفِكْر ، ولو كان أفضلَ النّاس في العلوم والعمليّات الصّناعيّة 132 .