أَبو عمرو الشيبانى الكوفي

41

كتاب الجيم

وهذا - كما يقول صاحب النشر - مما يجب معه التحفظ في إِخراجها - أَعنى الجيم - من مخرجها ، إِذ ربّما خرجت من دون مخرجها فينتشر بها اللسان ، فتصير ممزوجة بالشين ، كما يفعله كثير من أَهل الشام ومصر ، وربما نبا بها اللسان فأَخرجها ممزوجة بالكاف ، كما هي الحال في بوادي اليمن ، وإذا سكنت وأَتى بعدها بعض الحروف المهموسة كان الاحتراز بجهرها وشدتها أَبلغ . هذه الاعتبارات لا شك كانت مدعاة هذا الاختيار ، فهذا الحرف أَولا حرف مجهور ، ثم هو حرف يجمع مع خمسة غيره إِلى الجهر الشدة ، ثم هو بعد هذا ينماز بأَن معه ذلك الاحتراز بالمبالغة في جهره حتى لا يلتبس أو يمتزج بغيره ، لذلك كان اختياره على رأس الحروف المجهورة . وعلى نحو ما جعل الخليل العين رأسا للحروف على ترتيب مخارجها ، جعل هؤلاءِ المؤلفون الثلاثة : النضر والشيباني وشمر ، الجيم رأسا للحروف على منازلها من الجهر ، ولتلك الاعتبارات التي ذكرتها ؛ وكما جعل الخليل كل حرف كتابا جعل هؤلاءِ الثلاثة كل حرف كتابا ، وإِذا كان أول كتاب عند الخليل هو كتاب العين ، وبه سمى الكتاب كله : كتاب العين ، كذلك كان أَول كتاب عند هؤُلاءِ الثلاثة ، هو كتاب الجيم ، وبه سمى كل واحد منهم كتابه كتاب الجيم . ولكن بقي أَن نسأَل : لم كانت المحاولة هنا متكررة ؟ نعنى أَنها سبق بها النضر ، ثم حذا فيها حذوه أَبو عمرو ، ثم شمر . نرى أَن مجهود النضر كان فكرة أُولى ، وأَن النضر ترك الدنيا دون أَن يكمل هذا العمل الذي فكر فيه ، ودليلنا على ذلك ما قدمنا من أَن هذا العمل لم يكتب عنه شئ ، ولو أَنه كتب عنه شئ لانتهى إِلينا ، كما انتهى إِلينا ما عمله شمر ، من هنا كان أَخذ أَبى عمرو الشيباني في هذا العمل ، الذي كانت فكرته في ذهنه ، لا نقول : إِنه لقنها عن النضر ، وإن كان هذا لا يضير ، بل نقول : إنه شارك النضر في فكرته ، ثم شجعه على المضي فيها أَن النضر ترك الدنيا ولم يخرج تلك الفكرة إِلى الوجود كاملة أَو شبه كاملة ، والذي منيت به فكرة النضر منيت بمثله فكرة أَبى عمرو ، فنراه هو الآخر لم يكمل ما همّ به ، وتركه في صورة فجة لا تشير إلى الفكرة من قرب أَو من بعد ، هذا إذا استثنينا الاسم