السيد عبد الله شبر

32

طب الأئمة ( ع )

قد أنبأتك بما في الأعضاء من الغناء في صنعة الكلام وإقامة الحروف ، وفيها مع الذي ذكرت لك مآرب أخرى . فالحنجرة ليسلك فيها هذا النسيم إلى الريّة ، فتروّح على الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الذي لو احتبس شيئا يسيرا لهلك الإنسان ، وباللسان تذاق الطعوم ، فيميز بينها ، ويعرف كل واحد منها حلوها من مرّها ، وحامضها من مزّها ، ومالحها من عذبها ، وطيبها من خبيثها ، وفيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام والشراب ، والأسنان تمضغ الطعام حتى يلين وتسهل إساغته وهي مع ذلك كالسند للشفتين ، تمسكهما وتدعمهما من داخل الفم . واعتبر ذلك بأنك ترى من سقطت أسنانه مسترخي الشفة ومضطربها ، وبالشفتين يترشف الشراب ، حتى يكون الذي يصل إلى الجوف منه بقصد وقدر ، ولا يثج ثجا ، فيغص به الشارب أو ينكأ في الجوف ، ثم هما بعد ذلك كالباب المطبق على الفم ، يفتحهما الإنسان إذا شاء ، ويطبقهما إذا شاء ، ففيما وصفنا من هذا بيان أنّ كل واحد من هذه الأعضاء يتصرف وينقسم إلى وجوه من المنافع ، كما تتصرف الأداة الواحدة في أعمال شتى وذلك كالفأس تستعمل في النجارة والحفر وغيرهما من الأعمال . ولو رأيت الدماغ ، إذا كشف عنه ، لرأيته قد لفّ بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الأعراض ، وتمسكه فلا يضطرب ، ولرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة كيما بغته هدّ الصدمة والصكة « 1 » التي ربما وقعت في الرأس . ثم قد جللت الجمجمة بالشعر ، حتى صار بمنزلة الفرو للرأس ، يستره من شدة الحر والبرد ، فمن حصّن الدماغ هذا التحصين إلا الذي خلقه ، وجعله ينبوع الحس ، والمستحق للحيطة والصيانة بعلو منزلته من البدن ، وارتفاع درجته ، وخطر مرتبته ؟ . تأمل يا مفضل ، الجفن على العين ، كيف جعل كالغشاء ، والأشفار

--> ( 1 ) الصكّة : الضرب الشديد أو اللطم .