العلامة المجلسي
58
بحار الأنوار
صاحبنا أنهم يقولون فيما بينهم : نحن ألف وهم ألفان ، ولسنا نطيق مكافحتهم ، وليس لنا إلا التحاصن في البلد حتى تضيق صدورهم من مقاتلتنا فينصرفوا عنا فتجرأنا بذلك عليهم ، وزحفنا إليهم ، فدخلنا بلدهم وأغلقوا دوننا بابه ، فقعدنا ننازلهم . فلما جن علينا الليل وصرنا إلى نصفه فتحوا باب بلدهم ، ونحن غارون ( 1 ) نائمون ما كان فينا منتبه إلا أربعة نفر : زيد بن حارثة في جانب من جوانب عسكرنا يصلي ويقرء القرآن ، [ وعبد الله بن رواحة في جانب آخر يصلي ويقرء القرآن ، وقتادة بن النعمان في جانب آخر يصلي ويقرء القرآن ] ( 2 ) وقيس بن عاصم في جانب آخر يصلي ويقرء القرآن ، فخرجوا في الليلة الظلما الدامسة ورشقونا بنبالهم وكان ذلك بلدهم وهم بطرقه ومواضعه عالمون ، ونحن بها جاهلون ، فقلنا فيما بيننا : دهينا وأوتينا ، هذا ليل مظلم لا يمكننا أن نتقي النبال ، لأنا لا نبصرها . فبينا نحن كذلك إذ رأينا ضوءا خارجا من في قيس بن عاصم المنقري كالنار المشتعلة وضوءا خارجا من في قتادة بن النعمان كضوء الزهرة والمشتري ، وضوءا خارجا من في عبد الله بن رواحة كشعاع القمر في الليلة المظلمة ، ونورا ساطعا من في زيد بن حارثة أضوء من الشمس الطالعة ، وإذا تلك الأنوار قد أضاءت معسكرنا حتى أنه أضوء من نصف النهار ، وأعداؤنا في مظلمة شديدة ، فأبصرناهم وعموا عنا ، ففرقنا زيد عليهم حتى أحطنا بهم ونحن نبصرهم وهم لا يبصروننا ، فنحن بصراء وهم عميان ، فوضعنا عليهم السيوف ، فصاروا بين قتيل وجريح وأسير ، ودخلتا بلدهم فاشتملنا على الذراري والعيال والأثاث والأموال ، وهذه عيالاتهم وذراريهم ، وهذه أموالهم وما رأينا يا رسول الله أعجب من تلك الأنوار من أفواه هؤلاء القوم ، التي عادت ظلمة على أعدائنا حتى مكننا منهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فقولوا : الحمد لله رب العالمين على ما فضلكم به من شهر شعبان ، هذه كانت غرة شعبان ، وقد انسلخ عنهم الشهر الحرام ، وهذه الأنوار
--> ( 1 ) أي غافلون ، من الغرة - بالكسر - وهي الغفلة . ( 2 ) ما بين العلامتين ساقط من الأصل ومن النسخة الكمباني أيضا ، أضفناه من المصدر .