صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
73
شرح أصول الكافي
وقد علمت أن خالق كل وجود ليس من نوع ذلك الوجود ، فلو كان ذاته تعالى مقارنا لشيء اخر ، وانحاء المقارنات محصورة وكل منها قد وجد في المخلوقات ، فيلزم كونه من نوع المخلوقات ، بل يلزم كونه خالقا لنفسه كما مر . ثم اخذ عليه السلام في ذكر اقسام المتضادات والمتفرقات ليبين ان مضادها ومفرقها - اى موجدها متضادة متفرقة - ليس من جنسها ولا متصفا بها ولا بالتضاد والتفرقة تأكيدا وتوضيحا لقوله : بمضادته بين الأشياء عرف ان لا ضد له ، فمنها النور والظلمة وفي كونهما ضدين خلاف بين العلماء ، مبناه على الخلاف في كون الظلمة امرا وجوديا أو امرا عدميا ، فان الاشراقيين واتباعهم على أن الظلمة ليست الا عدم النور فقط من غير اشتراط الموضوع القابل . والحق انها ليست عدما صرفا ، بل هي عبارة عن عدم الصورة عما من شأنه ان يضيء ، وإذ ليست بعدم صرف ومع ذلك يتعاقب مع الضوء على موضوع واحد كالهواء ونحوه ، فصح عليه اطلاق الضد على اصطلاح المنطقيين حيث لا يشترط في اصطلاحهم المنطقي كون كل الضدين وجوديين ، بل الشرط فيه عندهم التعاقب على موضوع واحد . نعم ! ان أريد بالنور الشيء الظاهر بذاته المظهر لغيره مطلقا معقولا كان أو محسوسا ، حتى أن البارئ جل ذكره نور بهذا المعنى ، والذوات المفارقة عن الاجرام والصور الادراكية عقلية كانت أو حسّية كلها أنوار بهذا المعنى ، إذ كل منها ظاهر بذاته مظهر لغيره فلم يكن للنور بهذا المعنى مقابل وجودي ولا عدم ملكة . فعلم أن المراد من النور الواقع في كلامه : ضاد النور بالظلمة ، هو الضوء المحسوس ومنها اليبس والبلل ، وفي عبارة نهج البلاغة « الجمود » بدل اليبس وهو أبلغ لأنه قد يفرق بين الرطوبة والبلل وكذا بين اليبوسة والجمود ، فيقال الرطوبة كيفية بها يسهل قبول الاشكال واليبوسة كيفية بها يصعب قبول الاشكال ، فعلى هذا المعنى يكون الهواء أرطب من الماء لأنه أسهل قبولا منه ، واما البلة أو البلبل فهي كيفية بها سرعة اللصوق والاتصال فيقابله الجمود ، واليبس يقابله الرطوبة لا البلل لكن الظاهر في الاستعمالات عدم الفرق المذكور .