صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
53
شرح أصول الكافي
سمّوه جدول النور والظلمة . فمن هؤلاء المانوية أصحاب مانى الّذي ظهر في زمان سابور بن اردشير وقتله هرمز بن سابور « 1 » وذلك بعد عيسى ( ع ) ، اخذ احدث « 2 » دينا بين المجوسية والنصرانية كان يقول بنبوّة عيسى ولا يقول بنبوة موسى عليهما السلام . زعم انّ العالم مصنوع مركّب من أصلين قديمين : أحدهما نور والاخر ظلمة ، وانهما أزليان لم يزلا ولا يزالا وانكر وجود شيء « 3 » لا من أصل قديم . ثمّ اختلف المانوية في المزاج وسببه ، قال بعضهم : ان النور والظلام امتزجا بالبخت والاتّفاق لا بالقصد والاختيار ، وقال أكثرهم : انّ سبب المزاج انّ أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض الشاغل فنظرت الروح فرأت النور فبعثت الأبدان على ممازجة النّور فاجابتها لاسراعها إلى الشّر ، فلما رأى ذلك ملك النور وجّه إليها ملكا من الملائكة « 4 » في خمسة اجزاء « 5 » من أجناسها الخمسة فاختلطت الخمسة النورية بالخمسة الظلمانية « 6 » : فخالط الدخان بالنسيم والحريق بالنار والنور بالظلمة والسّموم بالريح والضباب « 7 » بالماء ، فما في العالم من منفعة وخير وبركة فمن أجناس النّور ، وما فيه من مقابلات هذه فمن أجناس الظّلمة ، إلى غير ذلك من مقالاتهم الطويلة . ولكن عمدة شبههم ما ذكرناه من قبل وهي : انّ في هذا العالم يوجد شرور وخيرات والمبدأ الواحد لكونه بسيط الحقيقة لا يمكن ان يكون مبدأ لهما جميعا والّا لكان شيء واحد خيّرا وشريرا معا وهو محال ، فمبدأ الخيرات هو يزدان ومبدأ الشرور اهرمن ، وقد ذكرنا وجه دفعها . واما قولهم : كلّ ما حدث فلا بد ان يكون حدث من شيء ، فان أريد به الحادث الزماني المسبوق بالحركة والزمان ، فليكن حدوثه من أصل ومادة ، لكن المادة شأنها القبول والاستعداد لا الايجاد والخلق .
--> ( 1 ) . بهرام بن هرمز بن سابور « الملل » ( 2 ) . بعد عيسى بن مريم عليه السلام احدث « ملل » ( 3 ) . الا « الملل » ( 4 ) . ملائكته « الملل » ( 5 ) . أجناس « الملل » ( 6 ) . الظلامية « الملل » ( 7 ) . الضبابة سحابة تغشى الأرض كالدخان والجمع الضباب . وقيل : ندى كالغيم يغشى الأرض بالغدوات وقيل بالفارسية : « مه »