صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
376
شرح أصول الكافي
الشرح قد علمت فيما سبق ان السعادة وكذا الشقاوة التي تضادها قسمان : دنيوية وأخروية ، والدنيوية من كل من الطرفين معلومة لا يحتاج إلى بيان ، واما الخير والسعادة الأخروية وكذا التي تقابلها امر يحتاج إلى البيان ، لان أكثر الناس في غفلة منها بل هم معرضون عنها كما قال سبحانه : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ « 1 » ، فغرضه ( ع ) في هذا الحديث بيان بداية الخير الحقيقي والسعادة الأخروية وبداية الشر والشقاوة الذين بإزائهما . واعلم أن الافعال والاعمال البدنية والأقوال اللسانية ما دام وجودها في أكوان الحركات والأصوات وبالجملة في الأكوان الدنيوية فلا حظ لها من البقاء والثبات ، لان الدنيا دار التجدد والزوال وكل ما فيها في معرض التغير والانتقال ، ولكن من فعل فعلا أو نطق بقول يحصل منه اثر في نفسه ونكتة في قلبه المعنوي الّذي هو بعينه جوهر نفسه لا قلبه اللحمى الصنوبري الّذي لا شعور له بشيء ولا يتصور بقائه لأنه أيضا من الدنيا . واما اللطيفة المعنوية ، فهي من الأمور الأخروية القابلة للبقاء الأخروي ، فإذا تكررت الأفاعيل والأقاويل استحكمت الآثار في النفس فصارت الأحوال ملكات ، إذا الفرق بين الحال والملكة بالقوة والضعف والاشتداد في الكيفية يؤدّى إلى حصول صورة هي المبدأ الجوهري لمثل الامر الّذي كان أولا حالا كالحرارة الضعيفة في الفحم إذا اشتدّت تحمرت ثم تنورت واستضاءت ثم صارت صورة نارية محرقة لما قارنها مضيئة لما قابلها . كذلك الأحوال النفسانية إذا تضاعفت قوتها صارت ملكة راسخة وصورة باطنة وهي مبدأ الآثار المختصة بها ، ومن هذا الوجه يحصل ملكة الصّناعات والمكاسب العلمية والعملية في الدنيا وينبعث في الآخرة على هيئة وشكل يناسبها ، ولو لم يكن للنفوس الانسانيّة هذا التأثر أولا ثم اشتداد يوما فيوما لم يكن لاحد اكتساب شيء من
--> ( 1 ) . ص / 67 و 68