صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
377
شرح أصول الكافي
الصناعات والحرف ولم ينجع التأديب والتعليم لاحد ولم يكن في تعليم الأطفال وتمرينهم على الاعمال فائدة ، وذلك قبل رسوخ اخلاق مضادة لما هو المطلوب من التأديب في نفوسهم ، ولأجل ذلك يتعسر بل يتعذر تعليم الرجال البالغين وتأديبهم لاستحكام هيئات وملكات حيوانية في نفوسهم بعد ما كانت ساذجة بالقوة قابلة لكل علم وصنعة تناسب مرتبتها ، كصحائف وألواح خالية من النقوش والصور الكتابية . فاذن قلوب بني آدم في أوائل الفطرة كصحائف خالية عن النقوش والصور ، اعني الملكات الفاضلة العلمية والعملية واضدادها من الرذائل الجهلية والاخلاق الرديئة الظلمانية ، وتلك الصّحائف هي صحائف الاعمال وتلك النقوش والصور الكتابية كما يحتاج إلى قابل بقبلها كذلك يحتاج إلى فاعل اى مصور وكاتب ، والمصورون والكتاب في هذه الكتابة المستورة عن الحواس هم الكرام الكاتبون ، لكرامة ذاتهم وفعلهم عن المواد الجسمانية ، فهم لا محالة ضرب من الملائكة المتعلقة باعمال العباد وأقوالهم وهم طائفتان : ملائكة اليمين وهم الذين يكتبون اعمال أهل الخير والسعادة ، وأصحاب اليمين وملائكة الشمال وهم الذين يكتبون اعمال أهل الشر والشقاوة وأصحاب الشمال . كما قال تعالى : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا « 1 » ، وقال : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ « 2 » ، لان كتابه من جنس الأكاذيب والأماني الباطلة والدواعي والاغراض الفاسدة والشهوات الدنيوية والأوهام الظلمانية وكما قال أيضا : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ . « 3 » وعلى هذا قياس الحكم في جانب الشر والكفر ، فمن فسد اعتقاده وساء عمله يتنزل عليه شيطان يغويه ويوعده بالشر وكان قرينه في الدنيا وفي القبر ويتعذب بصحبته في الآخرة كما قال : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ
--> ( 1 ) . الاسراء / 71 ( 2 ) . الحاقة / 25 و 26 ( 3 ) . فصلت / 30 و 31