صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
372
شرح أصول الكافي
ثم هذا المرض الّذي عرض لذواتهم والحالة المنافية التي قامت بهم لولا ان وجدوا من ذواتهم قبولا لعروضهما لهم واذنا في لحوقهما بهم لم يكونا يعرضان لهم ولا يلحقان بهم ، فاذن كان مما يقتضيه ذواتهم ان يلحقهم أمور منافية مضادة لجواهرهم ، فإذا لحقتهم تلك الأمور اجتمعت فيهم « 1 » جهتان : فكانت ملائمة منافية ، اما كونها ملائمة : فلان ذواتهم اقتضتها ، واما كونها منافية : إذا فرضنا انها قد اقتضت ان يعرض لهم أمور منافية لهم ، فلو لم تكن منافية لهم لم يكن ما فرضناه مقتضى لها بل امر اخر ، هذا خلف . فالشيء عند عروض مثل هذا المنافى متلذ « 2 » متألم سعيد شقى . ملتذ ولكن لذته ألمه ، سعيد ولكن سعادته شقاوته ، وهذا عجيب جدا ولكن أوضحناه ذلك أيضا حالم يبق معه عجب إن شاء الله : فمهما سمعت الله عز وجل يذكر هؤلاء بالبعد والشقاوة ، فهم أشقياء مبعدون لا شك في ذلك ، فن العذاب مطبق « 3 » عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم . ومهما سمعته عز وجل ينبئ عن خلقه كله بالحسن والبهاء ويذكر نفسه بالرحمة التي وسعت كل شيء ، فاعلم أنه بالنظر إلى تلك الجهة الدقيقة التي نبهناك عليها : ان ذواتهم لو لم يستدع عروض العذاب الدائم لم يكن يفعل بهم ذلك ، فان الله عز وجل لا يولى أحدا الا ما تولاه عدلا منه ورحمة ، وان الله خلق الخلق كله في ظلمة ثم قال لهم : ليختر كل منكم لنفسه صورة اخلقه عليها وهو قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ . « 4 » فمنهم من قال : اخلقنى خلقا حسنا أحسن ما يكون حتى لا يكون مثلي أحد في الحسن والجمال وهم المؤمنون ، ومنهم من قال : اخلقنى خلقا قبيحا ابعد ما يكون من التناسب واوغله في التنافر حتى لا يكون مثلي في القبح والبعد عن الاعتدال أحد ، وكل منهما أحب لنفسه التفرد فان حب الفردانية فطرة الله السارية في كل الأمم التي تقوم بها وجود كل شيء ، فخلق الله كلا على ما اختاره لنفسه . يا حبيبي ! فتحت كل نكره معرفة وقبل كل لعنة رحمة وهي الرحمة التي وسعت كل
--> ( 1 ) . فيها - م - د ( 2 ) . ملتذ - د - ط ( 3 ) . محيط - النسخة البدل ( 4 ) . الأعراف / 11