صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

373

شرح أصول الكافي

شيء ، فان الله يولى كلا ما تولاه وهو قوله تعالى : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ . نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً . « 1 » وقد جاء في الخبر في صفة يوم القيامة : ان في القيامة لخمسين موقفا ، عن عبد الله بن مسعود « 2 » : ان الله عز وجل ينزل في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي فينادى مناد : أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الّذي خلقكم ورزقكم وامركم ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ان يولى كل ناس منكم ما كانوا يتولون ويعبدون في الدنيا أليس ذلك عدلا من ربكم ؟ قالوا : بلى ، قال : فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا قال : وتمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون . . . الحديث بطوله . وكما يولون في الآخرة ما تولوا في الدنيا ، فإنما يولون في الدنيا ما تولوا في السوابق حين خلقوا في الظلمة ، فان شك في ذلك قائل فاتل قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 3 » . . . الآية ، ليعلم ان الله عز وجل لا يحمل أحدا شيئا قهرا وقسرا بل يعرضه عليه أولا ، فان تولاه ولاه وان لم يتوله لم يوله ، وهذا من رحمة الله وعدله ويرحم الله امرأ آمن بالكتاب كلمه ولم يبادر بالصرف والتأويل إلى ما لم يبلغه بعقله ولم يسلك سبيل المقتسمين الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ . « 4 » لا يقال : ليس تولية الشيء إلى ما تولاه عدلا بل حيث يكون ذلك التولي عن رشد وبصيرة ، فان السفيه قد يختار لنفسه ما هو شر بالنسبة إليه بجهله وسفاهته ، ثم لا يكون تولية ذلك إياه عدلا بل ظلما وانما العدل والشفقة في ذلك منعه إياه . لأنا نقول : هذا التولي الّذي كلامنا فيه ليس توليا يحكم عليه الخير والشر وانما هو تولى حاكم على الخير والشر ، لان ما يختاره السفيه انما يسمى شرا لأنه مناف لذاته ، فلذاته اقتضاء اوّل متعلق بنقيضه ، فلذلك هو الّذي أوجب ان سمينا ذلك شرا بالنسبة إليه ، واما الاقتضاء الأول : فلا يمكن وصفه بالشر لأنه لم يكن قبله اقتضاء يكون هذا بخلافه فيوصف بأنه شر ، بل هو الاقتضاء الّذي جعل الخير خيرا ، لان الخير ليس الا ما

--> ( 1 ) . النساء / 115 ( 2 ) . في صفة يوم القيامة موقوفا عن ابن مسعود - م - د ( 3 ) . الأحزاب / 72 ( 4 ) . الحجر / 91