صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

371

شرح أصول الكافي

عروض امر غريب يجرى مجرى المرض والخروج من الحالة الطبيعية ، فيكون ميل الانسان إليها كشهوة اكل الطين التي هي غريبة بالنسبة إلى المزاج الطبيعي لم يحدث الا لعروض مرض وانحراف عن المزاج الأصلي الجبلي . « 1 » وقد روى في الحديث القدسي : انى خلقت عبادي كلهم حنفاء وانهم اتتهم الشياطين فاحتالهم عن دينهم . فالطاعة هي الحنيفية التي تقتضيها ذواتهم لو لم تمسسهم أيدي الشياطين ، فإذا مستهم أيديها فسد عليهم مزاج فطرتهم فاقتضوا أشياء منافية لهم مضادة لجوهرهم البهى الإلهي من الهيئات الظلمانية ، ونسوا أنفسهم وما جبلوا عليه ، فاتاهم رسول من الله يذكرهم عهد ذواتهم ويتلو عليهم آياتهم ويعود عليهم بتلك الهيئات التي كانت تقتضيها ذواتهم فصرفوا باللاحق الغريب وهي الصلاة والزكاة والصيام وصلة الارحام إلى غير ذلك من الطاعات المفروضة . فان كل ذلك دين الله الّذي دعى إليه عباده أجمعين فأطاعوه وتقلدوه طوعا ورغبة وحنينا ومحبة ، ولو لم يكن هذه الهيئات مما يقتضيها ذواتهم كانت دعوتهم إليها دعوة إلى شقاوتهم ، لان سعادة كل شيء ليست الا ما يقتضيه ذاته ولا شقاوته الا خلاف ما يقتضيه ذاته . وانما كبرت الصلاة وثقلت الطاعات على الناس لما انشب فيهم أظفارهم من العارض الغريب . بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ . « 2 » وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي « 3 » . . . الآية . فاما الخاشعون وهم الذين باشر أنوار الحق نفوسهم حتى خشعوا لها ، فان الله إذا تجلى لشيء خشع له فليست الصلاة كبيرة عليهم ، وذلك لتذكره العهد القديم عائدا إلى فطرته الأصلية ، كالمريض المنقطع عنه شهوة الطعام إذا عاد صحيحا ، فإنه صار يستدعى الطعام بما أمكن له من الجهد بعد ما لم يتناول لقمة بتكليف المكلفين .

--> ( 1 ) . كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ( نوري ) ( 2 ) . المؤمنون / 71 ( 3 ) . السجدة / 13