صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

370

شرح أصول الكافي

تقديما لغيرهم عليهم ، وهذا مما يسوؤهم جدا ويسئ ظنهم بربهم ، فان عناية كل شيء مصروفة إلى نفسه قبل كل شيء ، فإذا رأى ربه يؤثر غيره عليه ويرميه بالنصب والعذاب لأجله يأس من رحمته وندم على عبوديته وما له اين يكون ذلك الشيء خيرا منه ؟ فإنه ان كان خيرا فهو خير نفسه وما هو بخير له ، فان خيره ذاته لا ما مقتضاه مصائبه وآفاته ، وجاء في المثل : غثك خير من سمين غيرك . والثاني : انه أراهم ربهم عاجزا مضطرا ، إذ ظن أنه لا يجد سبيلا إلى اصلاح الأنام وآفاته « 1 » النظام الا بادخال الضّر على هذا العاجز المسكين ، فما له ان يعبد ربا عاجزا ؟ فإنه لا يعبد ربه الا لأنه يجد نفسه عاجزا فقيرا فيلتجئ إلى قوى عزيز ، فإذا كان هو عاجزا مثله فقد فر من العجز إلى العجز ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . بل الحق : ان الله عز وجل عامل كل أحد من خلقه معاملة لو لم يكن له خلق سواه لكان عامله به ، واختار لكل شيء ما ان وكل امره إلى نفسه اختار ذلك ، ألم تسمع في الاخبار ان الله عز وجل خلق الصنائع وعرضها على بني آدم قبل ان يخلقهم هذا الوجود الدنيوي في بعض مواطن الغيوب ، فاختار كل لنفسه صناعة « 2 » ، فلما اوجدهم على ما اوجدهم اختاروه لأنفسهم ؟ وهكذا الامر في كل ما يجرى على الانسان لا يختص ذلك بالصنائع بل ذلك مثال واحد من هذا الشأن ، فليحسن كلكم ظنه بربه وليحبه بكل قلبه ، فان ربه من الرحمة عليه والحنان على ما وصفناه وأكثر على زعم المتفلسفة . وهذا الشيء لا يتوقف في الايمان به عاقل ، لان المحبة والحنان يتبعان الملائمة ولا يكون أشد ملائمة للخلق من الّذي منه وجوده وإليه معاده وهو أوله وآخره وظاهره وباطنه . بقي ان يقال : فما شأن الشقاوة والعصيان والعذاب والخسران ؟ فنقول : كل ذلك حق وسنطلعك على حقيقة الامر فيه . فاعلم : ان الطاعة هيئة تقتضيها ذات الانسان لو خلصت عن العوارض الغريبة ، فهي إلى الفطرة الأولى التي فطر الله عليها العباد كلهم ، والمعصية كل ما يقتضيه بشرط

--> ( 1 ) . كذا في جميع النسخ والظاهر : إقامة . ( 2 ) . صنعة - م - د