صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
269
شرح أصول الكافي
علينا في الأزل قبل وجودنا ، ومعجونة فينا وقبل صدور افعالنا منا ، فما بالنا لا نتساوى ولا نعادل فيها ؟ وكيف نحترز عما لا يمكن الاحتراز وكيف نسعى فيما لا تأثير للسعى ؟ وباي شيء يفضل السعيد على الشقي وقد تساويا فيما قدر لهما ؟ ان القسمة لما اقتضت هذا التفضيل وكيف انتظم عدل الله فينا مع هذا التفاوت الواقع في التفضيل وقد قال تعالى : وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ « 1 » ، وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ؟ « 2 » فهذا القائل ان كان غرضه الالتزام والاعتراض وتمهيد العذر فيما هو يصدده من الشرور والمعاصي فلا دواء له الا النار وهو المراد بقوله : ويل لمن يقول كيف ذا وكيف ذا ؟ فإن كان غرضه الاطلاع على كيفية صنع الله ومعرفة حكمته في خلق الأشياء وربط أسبابها إلى مسبباتها ، فإن لم يكن من أهل هذا الاطلاع ولا له استحقاقية ان يرتقى طائر فهمه إلى هذا البقاع يقال له : اسكت فما لهذا خلقت ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ . « 3 » ولو القى إليه شيء من هذا العلم لزاده حيرة ودهشة وشرا ووبالا وآفة وضلالا ، بل الصلاح والخير فيه ان يلجم بلجام المنع عما لا يطيق الخوض في غمرته . وان كان ممن يكون زيت قلبه صافيا ونفسه زكية وطبعه لطيفا وذهنه مستقيما فيجاب له أو لا بمثل ما قال الشاعر . هون على بصرى ما شق منظره * فإنما يقظات العين كالحلم اصبر صبرا جميلا وكن متعرضا لنفحة من نفحات رحمة الله مترصدا لفتح باب من أبواب فضله وحكمته ، وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ « 4 » ، اقرع باب الرحمة بالدعاء ولا تيأس من روح الله إذا تأخرت الإجابة ، فلست اوّل من زل في هذا المقام وارتاب ، واستغفر من هذا الكلام ثم فهم فرجع وتاب ، أو لا تعتبر بحال موسى عليه السلام مع الخضر واعتراضه عليه وانكاره بقتل الغلام أو تتذكر قوله : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً « 5 » ، وجوابه : أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً « 6 » ،
--> ( 1 ) . ق / 29 ( 2 ) . النحل / 118 ( 3 ) . الأنبياء / 23 ( 4 ) . طه / 114 ( 5 ) . الكهف / 71 و 74 ( 6 ) . الكهف / 75