صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

232

شرح أصول الكافي

أحب ؟ قال : لا ، قلت : وكيف شاء وأراد وقدر وقضى ولم يحب ؟ قال : هكذا خرج إلينا . الشرح اى خرج إلينا من عند الله وعلمنا من لدنه . ولعل الوجه فيه : انه تعالى ما أحب شيئا غير ذاته تعالى بالذات ، وان أحب غيره فإنما احبّه بتبعية محبة ذاته ، لأنه من توابع ذاته ، فكل ما هو أقرب إليه كان أحب عنده فيرجع محبته لما سواه إلى محبة ذاته . ولذلك لما قرأ القارئ عند أبى سعيد المهنى قوله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ « 1 » ، قال : ويحق انه يحبهم لأنه لا يحب الا نفسه ، فلا يكون له نظر إلى غيره من حيث إنه غيره ، بل نظره إلى ذاته وإلى افعاله فقط ، وليس في الوجود الا نفسه وافعال نفسه وتصانيف نفسه وضائعه وآثاره وكلها راجع إليه ، وهو غاية كل شيء فلا يجاوز حبه ذاته وتوابع ذاته من حيث هو متعلق بذاته ، فهو إذا لا يحب الا نفسه . وما ورد من الاخبار في حبه لعباده ، فهو مؤول بما ذكرناه ويرجع معناه إلى أنه جعله قريبا منه وكشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه . فحبه تعالى لمن أحبه أزلي مهما أضيف « 2 » إلى الإرادة الأزلية ، وإذا أضيف إلى فعله وصنعه في حق عبده ، من تمكينه إياه من القرب منه وإلى مشيئته وارادته المخصوصة التي اقتضت تمكن هذا العبد من سلوك طريقة القرب إليه ، فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضى له ، كما ورد في الحديث القدسي من قوله عز وجل : لا يزال يتقرب العبد إلى بالنواقل حتى أحبه ، فيكون تقربه بالنوافل سببا لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب وصيرورته من جملة المقربين فصار قريبا بعد ما كان بعيدا كائنا في مقام المبعدين « 3 » كالبهائم والسباع وأبناء الشياطين ، فقد تجددت له درجة القرب والمحبوبية بالمعنى الّذي علمت من كونها على وجه التبعية ، ولم يتجدد فيه تعالى صفة لم تكن ، ولكن ربما يظن لهذا انه لما تجدد له القرب وصار

--> ( 1 ) . المائدة / 54 ( 2 ) . اى : الحب . ( 3 ) . المتعبدين - م - ط