صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
187
شرح أصول الكافي
وقد مر في الأحاديث عن أصحاب العصمة والولاية عليهم السلام انه تعالى ليس شيء أقرب إليه من شيء ولم يبعد منه بعيد ولم يقرب منه قريب استوى في كل شيء ، في أحاديث متعددة واخبار متكثرة بألفاظ مختلفة ، فهكذا قياس نسبته تعالى إلى الأزمنة والزمانيات كنسبته إلى الأمكنة والمكانيات . فاذن قد ظهر ان قول اليهود ، قد فرغ من الامر ، انما يكون معقولا لو كان في نفس الدهر وصقع الواقع ، وجناب الربوبية المرتفع عن الزمان والمكان المتقدم عليها تقدما ذاتيا لا امتداد موجود أو موهوم وفيه حدود موجودة أو مفروضة فيكون الصنع والتكوين في حد والفراغ والتعطيل في سائر الحدود ، وذلك من مفتريات الظنون الكاذبة واختلافات « 1 » المدارك الظلمانية والأوهام السوداوية ، بل الامر من تلقاء الجاعل على سنّة واحدة ، والجعل جعل واحد والإفاضة إفاضة واحدة من جانبه من غير انقطاع وامساك ، هو تعالى قائم بالقسط أزلا وابدا والعالم حادث بعد عدم في كل وقت ، فيدا قدرته وحكمته مبسوطتان . قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ . « 2 » واما كلام النظام الّذي نقله صاحب الملل والنحل : فان أراد بالظهور والخفاء ما يرجع إلى ما ذكرنا من أن التقدم والتأخر في الأزمنة والزمانيات انما يكونان ثابتين لها بحسب أنفسها وبقياس بعضها إلى بعض لا بالقياس إلى جناب الرباني « 3 » كان كلاما صحيحا وقولا صدقا حقا ، وان أراد ان ليس لبعض الحوادث تقدم على بعض ولبعضها تأخر عن الاخر وحدوث بعد عدم وعدم بعد وجود فكان سخيفا من القول وزورا من الكلام . فاذن قد انحسمت مادة الشبهة وبطل قول اليهود بالفراغ وانقلع أصل شجرة التعطيل وبزغ نور كلام الله : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ « 4 » ، كما سيأتي تفسيره . وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . « 5 »
--> ( 1 ) . الكاذبة اختلافات - م ( 2 ) . المائدة / 64 ( 3 ) . إلى الجناب الربوبي - م - د ( 4 ) . الرحمن / 29 ( 5 ) . الأحزاب / 4