صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

126

شرح أصول الكافي

نهاياتها كما يقال : النقطة حد الخط والخط حد السّطح والسطح حد الجسم ، واما ان يعنى به الحد المنطقي للشئ المركب من جنسه وفصله ، واما ان يعنى به تناهى قوته بان يكون له ما هو فوقه في القوة والقدرة ، وهذه المعاني كلها مسلوبة عنه تعالى . اما الأول فلتجرده واما الثاني فلبساطته واما الثالث فلوجوب وجوده وإلهيته ، وقوله : ولا له مثل يعرف بمثله ، إذ كل ما له مثل فهو مركب ، والله واحد أحد . قوله : ذل من تجبر غيره ، لامكانه وافتقاره إليه تعالى ، وصغر من تكبر دونه ، لقصوره عن درجة الكمال كامر . وقوله : وتواضعت الأشياء لعظمته وانقادت لسلطانه وعزته ، وذلك لان جميع الموجودات صادرة عنه راجعة إليه وهو فاعلها وغايتها وهي طالبة لكمالاتها ، فالجميع عاشقة مشتاقة لنوره وعظمته متحركة صائرة إليه وهو تعالى خلق الخلق وتجلى لهم ليعبدوه ويعظموه ويتواضعوا لعظمته وينقاد والسلطانة وعزه ، وعبر عن هذا التواضع والانقياد بالتسبيح والسجود كقوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ . « 1 » وقوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ « 2 » . وهذا تسبيح فطرى ذاتي عن تجلى تجلى لهم فأحبوه فخضعوا له وأطاعوه ، وهذا مما لا يعرفه الا الكمل من أهل الشهود والكشف ولهذا خاطب سبحانه في هاتين الآيتين نبيه صلى الله عليه وآله وهو أعظم أهل الكشف فرأى تسبيح الموجودات وسجودها وخضوعها لله تعالى . وقال في أهل النظر وهم عامة العقلاء الانس وغيرهم : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ . « 3 » أخبرهم ان ذلك التفيؤ يمينا وشمالا سجود لله وتواضع له وصغار لعظمته وذل لسلطانه . ثم اخبره فقال متمما : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ « 4 » ، اى ممن يدب عليهما ويتحرك فيهما قال : والملائكة ، يعنى التي ليست في سماء ولا ارض

--> ( 1 ) . النور / 41 ( 2 ) . الحج / 18 ( 3 ) . النحل / 48 ( 4 ) . النحل / 49