صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

127

شرح أصول الكافي

قال : وهم لا يستكبرون ، يعنى عن عبادة ربهم . ثم وصفهم بالخوف ثم قال : فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ « 1 » ، اى لا يملون ، لان عبادتهم ذاتية ليست عن تكلف ومشقة ، كل ذلك يدل على أن العالم كله في مقام العبودية والذل والتواضع الاكل مخلوق له قوة التفكر وليس الا النفوس الوهمية الانسانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لا من حيث طبائعهم وهياكلهم فإنها كسائر افراد العالم في مقام التسبيح والسجود ، فاعضاء البدن كلها مسبحة ناطقة ، ا لا ترى انها تشهد على النفوس المسخرة هي لها يوم القيامة من الجلود والأيدي والأرجل والألسنة والسمع والبصر وجميع القوى بما كانوا يفعلون ؟ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ « 2 » . وقوله : وكلت عن ادراكه طروف العيون وقصرت دون بلوغ صفته أوهام الخلائق ، قد مر تفسيره مرارا وكذا قوله : الأول قبل كل شيء ولا قبل له والاخر بعد كل شيء ولا بعد له ، وقد علمت أن قبليته تعالى وبعديته ليستا بالمعنى الزماني حتى لا يجتمعا في شيء واحد ، بل أوليته كونه فاعلا لكل شيء واخريته كونه غاية لكل شيء . فاعلم أنه كما أفادنا النظر في الوجود اثبات فاعل له لا فاعل قبله ، كذلك أفادنا اثبات غاية له لا غاية بعده ، ويجب أن تكون تلك الغاية هي بعينها ما فرضناه فاعلا له ، لأنا وصفنا كلا منهما بالجلال الارفع والكمال الأتم وذلك يقتضي سلب الماهية عنهما ويستحيل ان يكون في الوجود شيئان كل منهما لا ماهية له ، فالله هو الأول والاخر ليس كمثله شيء ، منه ابتدأ الامر وإليه ينساق الوجود وهو العلة الفاعلية للوجود وهو العلة الغائية . وقد تكرر في القرآن الكريم بعبارات مختلفة في آيات كثيرة كونه تعالى مرجع كل شيء ومعاده ومصيره وكذا في كلام أمير المؤمنين وسيد الموحدين عليه السلام في كثير من خطبه ورسائله ، لأنه مطلب عال وعلم غامض شريف لا يتم توحيد الموحد الا بمعرفته وتحقيقه .

--> ( 1 ) . فصلت / 38 ( 2 ) . المؤمن / 12