صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

119

شرح أصول الكافي

ولما أتم موسى عليه السلام حجته على فرعون وقد اسمعه القول الخشن من قوله : ان كنتم تعقلون ، وعجز عن الحجاج عدل إلى التخويف والتهديد كما هو دأب المحجوج المبهوت فقال : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ . « 1 » واعلم أنه قد أشرنا إلى أن الوجود لما كان هوية خارجية ليست لها صورة عقلية مطابقة له ، لان كل صورة ذهنية هي مفهوم كلى والوجود امر متشخص بذاته فلا يمكن العلم بذاته الا بنو الحضور والمشاهدة ، وذلك إذا أريد ان يحصل من جهة الآثار والافعال فلا يكفى في ذلك مجرد العلم بمعانى تلك الآثار ومفهوماتها ، بل لا بدّ من الاطلاع بها على سبيل المشاهدة الحضورية ، إذ الجاعل والمجعول والمؤثر والمتأثر انما هي الوجودات العينية دون الماهيات والمعاني فلا رابطة بين ماهية العلة وماهية المعلول ولا التأثير والتأثر بين المفهومات والماهيات المتخالفة حتى يصير العلم ببعضها وسيلة للعلم بالبعض . فاذن الّذي من الآثار والافعال تصير سببا للاطلاع على مؤثرها وفاعلها انما هي مشاهدة ذواتها ومعاينة وجودها « 2 » وكذلك قال تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ « 3 » ، وقال : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً « 4 » ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً « 5 » ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً « 6 » ، تنبيها على أن ملاك المعرفة من هذا الطريق مشاهدة الآثار ورؤيتها دون ادراكها الذهني ولأجل ذلك قال إبراهيم : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى « 7 » ، وغرضه كان طلب رؤية المحيى وهو ذاته تعالى لكنه تأدب مع الله واتى بهذه العبارة ، ولأنه كان عالما بان رؤيته تعالى لا يمكن الا من جهة رؤية آثاره وافعاله الصادرة عنه بلا واسطة ولا يكفى فيها مجرد الايمان بذلك اعني العلم الاستدلالي بان محى الأشياء ومميتها ليس الا الله . ولما علم الله غرضه المكمون في سؤاله قال تعالى على منهاجه في الرمز وكتمان المقصود : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ « 8 » ، باني قادر على احياء الموتى ؟ فأجاب الخليل أيضا على تلك

--> ( 1 ) . الشعراء / 29 ( 2 ) . وجوداتها - م - ط ( 3 ) . الانعام / 75 ( 4 ) . الانعام / 76 ( 5 ) . الانعام / 77 ( 6 ) . الانعام / 78 ( 7 ) . البقرة / 260 ( 8 ) . البقرة / 260