صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

120

شرح أصول الكافي

الوتيرة من غير التصريح بمطلوبه قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي ، ولم يقل ولكني أريد الرؤية تأدبا مع الله وحياء منه ، والله اعلم . ولنرجع إلى ما كنا فيه من الشرح . قوله عليه السلام : الّذي نأى من الخلق فلا شيء كمثله ، إذ لا ماهية له حتى يشاركه فيها شيء فيكون مثلا له ، واما وجوده الّذي هو حقيقة ذاته فهو غير متناه في الشدة والكمالية ووجودات الخلائق وجودات ناقصة ضعيفة نازلة في منازل النقصان فهي بعيدة المراحل عن مرتبته . وقوله : الّذي خلق خلقه لعبادته ، إشارة إلى غاية الخلق وثمرة الايجاد وهي العبادة والعبودية كما في قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » ، وحقيقة هذه العبودية صيرورة العبد عبدا خالصا ومفتقرا محضا لم يبق له جهة انانية أو نظر التفات إلى ما سوى المعبود الحق الأول ، وذلك بعد انسلاخات عن البسة الوجودات الكونية وعقيب رياضات علمية وعملية وتجردات عن نشأة إلى نشأة وعن صورة إلى صورة حتى يصير عبدا محضا فانيا عن نفسه وعن كل شيء سوى الحق مستغرقا في عبوديته وفقره إلى الله ، بل فنى عن ملاحظة هذا الاستغراق قاصرا نظره إلى مطالعة الجلال ومشاهدة الجمال ، فهذا هو غاية ايجاد الخلق ، ورتبة هذه العبودية المحضة أفضل من مرتبة الرسالة ولهذا قدمت في التشهد على الرسالة فيقال : اشهد ان محمدا عبد ورسوله . قوله : وأقدرهم على طاعته بما جعل فيهم ، من آلات السعي والسلوك إليه وركز فيهم من أدوات العلم والادراك ، فإنه لما خلقهم لطاعته وعبوديته والتقرب إليه والانخراط في سلك مقربيه وعباده المكرمين وملائكته المقربين فلا بد في سنة حكمته وعنايته وقاعدة لطفه ورحمته ان يخلق فيهم كل ما يتوقف عليه ما أراد منهم من آلات التكليف وأسباب الهداية والتأديب من بعث الأنبياء والرسل وانزال الصحائف والكتب ونصب الأئمة والأوصياء وحفظة الدين والشريعة وخزنة اسرار العلم والمعرفة وحملة أنوار اليقين والحكمة مؤيدين بالالهام والكرامات كما أيد الأنبياء « 2 »

--> ( 1 ) . الذاريات / 56 ( 2 ) . والكرامات كالأنبياء - م - د