صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

88

شرح أصول الكافي

كوجود كيف من الكيفيات الزائدة على الذوات . والثانية الإشارة إلى نفي المكان عنه تعالى وهو قوله : ولا كان له اين ولا كان في شيء ولا كان على شيء ، وقوله : ولا ابتدع لمكانه مكانا ، معناه ولا أوجد مكانا لان يكون ذلك مكانا له ، بل أوجد المكان والأمكنة للمتمكنات لا لنفسه ، لأنه مجرّد عن المكان . الفائدة الثالثة الإشارة إلى نفي الكيفية الزائدة عن ذاته الموجبة للتغير والانفعال كالقوة بعد الضعف بقوله : ولا قوي بعد ما كوّن الأشياء ، كغيره من الفاعلين ، الذين فعلوا أفاعيلهم لأجل غايات كمالية تلحقهم وتقوي بها ذواتهم . وكالضعف قبل الفعل بقوله : ولا كان ضعيفا قبل ان يكون شيئا ، ككثير من الفواعل الطبيعية التي كانت في غير أماكنها الطبيعية ضعيفة القوة ، فإذا حركت موادها إلى تلك الاحياز اشتدت قوتها بعد الضعف ، كالتوحش وكالاستيحاش الحاصل عند التفرد عن الأمثال والأشباه كما في الانسان ، وذلك لنقص جوهره وقصور وجوده عن الكمال وخلو ذاته عن الفضيلة التامة واستصحابه للاعدام والظلمات ، فيتوحش عن ذاته الخالية عن نور الفضيلة والكمال ويستأنس بغيره من أمثاله واشباهه وهو المراد بقوله : ولا كان مستوحشا قبل ان يبتدع شيئا . وذلك لان كل الأشياء الصّادرة منه تعالى وجوداتها رشحات لبحر وجوده ولمعات لشمس حقيقته ، والبحر لا يستزيد بالرشحة والنداوة والشمس لا تستنير بلمعاتها ، فكيف يستأنس ذاته المقدسة بما يفيض عنه ؟ ولان زوال الاستيحاش وحصول الاستئناس انما يكون بوجود الأشباه ، وهو تعالى لا يشبه شيئا مذكورا ، سواء كان موجودا في العين أو لا ، فان المذكور قد لا يكون موجودا بعد ، فالمذكور أعم من الموجود ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص . الفائدة الرابعة الإشارة إلى كون ذاته تعالى كل الأشياء على وجه أعلى واشرف غير فاقد لشيء من الوجود وكماله ، وانّما المسلوب عنه تعالى النقائص والاعدام والشرور وهو المراد بقوله : وكان خلوا من الملك ، بضم العين « 1 » ، قبل انشائه ولا يكون منه خلوا بعد ذهابه ، ولا منافاة بين هذا الكلام والذي ذكر في بعض الأحاديث السابقة من أن ذاته خلو من خلقه وخلقه خلو منه ، لما قد أشرنا إليه من أن النقائص والاعدام مسلوبة وانما يتعين المخلوق عن الخالق بماهياتها الفاقرة الذوات الناقصة الوجودات ، ثم اكد ذلك بقوله : لم يزل حيّا بلا حياة ، لئلا يتوهم ان في ابتداعه وانشائه للخلق يستكمل حياته ، وبقوله : وملكا قادرا قبل ان

--> ( 1 ) - كذا في جميع النسخ ، والظاهر : بضم الميم .