صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
89
شرح أصول الكافي
ينشئ شيئا وملكا جبارا بعد انشائه للكون ، ليعلم ان كماله بنفس ذاته وان حاله قبل الانشاء للأشياء كحاله بعد الانشاء . ثم لما ذكر عليه السلام هذه الأصول الكلية وبيّنها أشار إلى بعض لوازمها وما يتفرع عليهما ، إذ ربما يذهل عن دركها الأذهان القاصرة ، فنفى الكيفية عن وجوده تعالى وسلب الأين عنه والحدّ له ، وان يعرف بما يشبهه وان يهرم لطول البقاء كما في المعمرين من البشر لوهن قواهم وكلالها وضعفها بكثرة الفعل والانفعال إلى أن تبطل وتدثّر ، لأن هذه القوى جسمانية في معرض الاستحالة والدثور والفناء ، وان يغشى عليه باستيلاء قاهر عليه ، بل هو القاهر على كلّ شيء ولخوفه يصعق من في السماوات ومن في الأرض . ونفى عنه الحياة الحادثة كما في الانسان ، فإنه مما يحى بحياة أخرى بعد أولى حادثة ، والوجود الموصوف بصفة زائدة وكيف محدود واين موقوف عليه وجوده ومكان خاص مجاور لمكان اخر أو مجاوز عنه كما في سائر الأكوان الأينية والموجودات المكانية ، حيث يتوقف وجود كل منها على اينه المخصوص ومكانه المعين المباين لسائر الأمكنة ، وفيه إشارة إلى أن معيته تعالى للأشياء المكانية كما في قوله : « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ » « 1 » ليست تنافي تجرده عنها ولا توجب مكانيته وتجسمه ، لانّها ليست على وجه التوقف والتقييد والتحديد ، بل لانبساط نور وجوده وسعة رحمته لا يخلو عنه فوق ولا تحت ولا سماء ولا ارض ولا برّ ولا بحر كما سبقت الإشارة إليه . وقوله : بل حيّ يعرف وملك لم يزل له القدرة والملك ، اضراب عمّا سبق ، اي حيّ بذاته لا بحياة زائدة وانه بذاته يعرف الأشياء وبذاته يوجدها ويملكها لم يزل ولا يزال ، له القدرة والملك قبل وجود الأشياء ومعها وبعدها . الفائدة الخامسة قوله : أنشأ ما شاء حين شاء بمشيئته ، وهو انه لما ثبت توحيد ذاته ونفي الزائد من القدرة والعلم وغيرهما ، فيتوهم ان صدور الأشياء عنه يكون على وجه الايجاب لا عن إرادة ومشيئة ، كفعل الطبائع العديمة الشعور المسخرة في افعالها ، فأزال ذلك التوهم بان ايجاده لكل ما شاء في وقته الخاص وحينه المقدر لمحض مشيئته وعلمه ، الا ان مشيئته كعلمه غير زائدة على ذاته .
--> ( 1 ) - الحديد 4 .