صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
81
شرح أصول الكافي
الوجود . قوله عليه السلام : يا هشام الخبز اسم للمأكول . . . إلى قوله : والنار اسم للمحرق ، هذه حجة أخرى على أن مفهومات الأسماء غير ما هي بإزائها من المسميات ، وكذا كل ماهية وكل كليّ طبيعي ومفهوم عقلي غير ما هو موجود في العين من افراده ، فان مفهوم المأكول اسم لما يصدق عليه كالخبز ، ومفهوم المشروب يصدق على الماء ومفهوم الملبوس على الثوب والمحرق على النّار ، وكذا الرائحة على المسك واللّون القابض للبصر على السّواد والجوهر والقابل للابعاد والنّامي والحسّاس والحيّ والناطق على زيد . ثم إذا نظرت إلى كلّ من هذه المعاني في أنفسها وجدتها غير محكوم عليها باحكامها ، فان معنى المأكول غير مأكول ، انما المأكول شيء آخر كالخبز ، وكذا مفهوم المشروب غير مشروب ، واللّابس لا يلبس معنى الملبوس بل يلبس الثوب ، والمحرق للأشياء ليس الامر الكليّ بل كالنار ونحوها ، فالمأكول غير مأكول والمشروب غير مشروب والملبوس غير ملبوس والمحرق غير محرق . هذا في العرضيات ظاهر والحكم في الذاتيات كذلك ، فاللّون - أي مفهومه - ليس بلون ولا القابض للبصر بقابض للبصر ، ولا الجوهر مفهومه جوهر ولا مفهوم القابل للابعاد قابل للابعاد ولا ماهية الانسان انسان ولا لها جسميّة ولا حياة ولا حسّ ولا حركة ولا نطق ولا كتابة ولا ضحك ولا شهوة ولا غضب . فاذن قد ثبت لك وتحقق ان الأسامي بمدلولاتها غير مسمّياتها الموجودة . ثم انظر وتأمل كيف وقعت الإشارة بهذا الكلام الصّادر عن معدن الحكمة والتحقيق إلى هذا المطلب الدقيق والمقصد العميق الذي عجزت عن دركه أذهان أصحاب العقول وقصرت عن فهمه افهام الفحول ؟ حتى زعموا ان الماهيات مجعولة والوجود غير موجود ، وزعموا ان مفهوم الانسان في الذهن انسان وهو جوهر نام حساس ناطق . ولم يستشكلوا من جملة ذلك الا كونه جوهرا ، لزعمهم ان المفهومات حالة في الذهن والذهن محل متقوم بنفسه مستغن عما يقوم به ، فيلزم عليهم عند ادراك مفهوم الجوهر صيرورته عرضا وكون ما لا يكون في موضع كائنا فيه ، فوقعوا في التفصي عنه واندفعوا في دفعه إلى تمحلات ركيكة وتعسّفات شنيعة شحنوا بها كتبهم وسودوا أوراقهم واظلموها بظلمات