صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

51

شرح أصول الكافي

الخارج ولا بحسب العقل ، إذ مرجع الجميع إلى الذات الأحدية المنفصلة عن ما سواه بنفسه . ثم أشار إلى دفع توهم اخر وهو ان يقال : قولكم يسمع بنفسه يستدعي المغايرة بين الشيء ونفسه - لمكان باء السّببية والصلة - أو يقال : حمل شيء على شيء أو صدقه عليه مما يستدعي مغايرة ما بين الموضوع والمحمول . فإذا قلنا : انه سميع بنفسه ، فيتوهم ان المشار إليه بأنه شيء والسميع بنفسه شيء اخر فقال عليه السلام : ليس قولي سميع يسمع بنفسه . . . إلى آخره . والمراد ان الضرورة دعت إلى اطلاق مثل هذه العبارات للتعبير عن نفي الكثرة عن ذاته حين كون الانسان مسؤولا ، يريد افهام السائل في المعارف الإلهية سيّما في مقام التوحيد ، فإنه يضطر إلى اطلاق الالفاظ الطبيعية والمنطقية المستعملة التي تواطأ عليه الناس ، فإنه ان قصد اختراع ألفاظ اخر واستئناف وضع لغات سوى ما هي مستعملة لما كان أحد يوجد السبيل إليها بحدود ، وهو المراد من قوله عليه السلام : ولكن أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولا ، اي أردت التعبير عما في نفسي من الاعتقاد في هذه المسألة بهذه العبارة الموهمة للكثرة لضرورة التعبير عمّا في نفسي ، إذ كنت مسؤولا ولضرورة افهام الغير الذي هو السائل ، والّا فالذي في نفسي لا يقع الاحتياج في تعقله إلى عبارة ، إذا المرجع والمراد بقولي انه سميع ان ذاته من حيث ذاته مصداق معنى السّميع وبقولي يسمع بنفسه ، انه يسمع لا بغيره وكذا في غير ذلك من الصفات الوجودية بلا اختلاف في الذات ولا اختلاف في معاني الصّفات ، لأنها كلها موجودة بوجود واحد بسيط من كل وجه ، لأنها لا تقتضي كثرة لا في الذات ولا في الاعتبار . فهو سميع من حيث هو بصير وبصير من حيث هو سميع وعليم من حيث هو قدير ، وذاته سمعه وبصره وعلمه وقدرته وحياته وارادته ، فهو سميع بكلّه عليم بكله قدير بكله بهذا المعنى ، لا ان فيه شيئا دون شيء أو جزء بوجه من الوجوه ، بل المرجع فيه إلى ضرورة التعبير عما في الضمير كما مرّ . ويوافق لهذا الكلام الصادر عن مشكاة الولاية ومعدن الحكمة ما قاله بعض الحكماء وهو أبو نصر الفارابي : انه تعالى وجود كلّه وجوب كله علم كله قدرة كلّه حياة كلّه إرادة كلّه ، لا ان شيئا منه علم وشيئا اخر قدرة ليلزم التركيب في ذاته ، ولا ان شيئا فيه علم وشيئا اخر فيه قدرة ليلزم التكثير في صفاته ، انتهى كلامه .