صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
33
شرح أصول الكافي
ما في البيضة إليهما نسبة واحدة ، إذ ليس في كل من البيضتين الا مثل ما في الأخرى ، فاتحاد القوابل والمواد مع تخالف ما حصل منها من صور الاضداد لا بد وان يستند إلى قدرة الفاعل الجواد . وقوله ثامنا : تنفلق عن مثل ألوان الطواويس ، على حذف المضاف إلى ذي ألوانها ، إشارة إلى الصورة الكائنة مع ما فيها من عجائب الخلقة وغرائب الصنعة من مثل هذه المادة التي لا مماثلة ولا مشابهة بينها وبين الكائنة . فدل جميع ذلك دلالة واضحة قطعية على أن موجد هذا الامر الكائن من تلك الذهبة المائعة والفضة الذائبة ومصوره ومقدره بهذه الصورة والشكل والمقدار ومدبره ومزيّنه بهذه النقوش والألوان والأعضاء والاجزاء فضلا عن افادته الحياة والقدرة والشعور والإرادة والحواس الظاهرة والباطنة امر ليس بجسم ولا جسماني كالطبيعة وما يجري مجراها ، فان الذي نسب اختلاف ألوان الريشة الواحدة إلى الطبيعة فقد بعد عن درك الحكمة « 1 » بعادا كثيرا ، فان فعل الطبيعة لا يتعدى عن نحو واحد وليس لها القصد إلى اغراض وغايات ومنافع وخيرات ، ومبادي الأمور كغاياتها وأوائلها كنهاياتها . فمن تأمل في ما يظهر داخل البيضة على تلك المادة اللزجة كالنطفة ، هذه التصاوير والهيئات والاشكال والأعضاء والنقوش والألوان التي في الرياش يضطر إلى الاعتراف بوجود من له الملك والملكوت والكبرياء والجبروت فضلا عن التأمل في سائر الأحوال والكمالات التي تختص بكل نوع من أنواع الطيور وسائر أنواع الحيوانات من البهائم والوحوش وغيرها مما ليس بمحسوس ، كصفات نفوسها واخلاقها وعادتها وفنون ادراكاتها واراداتها واغراضها ومنافع افعالها مما يخرج عن الحصر والضبط . ولذلك لما سمع الديصاني لما ذكره عليه السلام ونبهه على عجيب خلقه ما يتكوّن من داخل البيضة فاطرق مليا وتأمل ساعة أدرك الحق واسلم واعترف بالربوبية وعلم صدق الأنبياء والأوصياء عليه السلام فيما قالوه وادعوه ، فشهد ان اللّه واحد وان محمدا عبده ورسوله وان أهل بيته أئمة وحجج اللّه على خلقه وتشرف بالايمان وتاب مما كان عليه من الكفر والجحود والعصيان ، واللّه ولي التوفيق والاحسان .
--> ( 1 ) - بعدا - م - ط .