صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
386
شرح أصول الكافي
والزّجاجة دون الهواء الّذي لا لون له ولا اقتصاد في رقة القوام . وامّا صفة القابل : فالاستواء والاعتدال الحاصل بالتسوية كما قال : فَإِذا سَوَّيْتُهُ * « 1 » ومثال صفة القابل كصقالة الحديد ، فانّ المرآة التي ستر وجهها بالصّدى لا تقبل الصورة وان كانت محاذية للصورة ، فإذا اشتغل الصيقل بتصقيلها فكلما حصل الصّقال حصلت فيها الصّورة من ذي الصورة المحاذية دفعة بلا تخلف ، فكذلك إذا حصل الاستواء في قابل الرّوح كالنطفة ونحوها حدثت فيها الرّوح من خالق الرّوح من غير تغيّر في الخالق بل انما حدثت الروح أو تعلقت الآن لا قبله لتغيّر المحل أو المتعلق بحصول الاستواء الآن لا قبله . واعلم كما تفيض النفس على البدن عند التسوية والتعديل المزاجي فكذا يفيض الرّوح العلوي الّذي هو من امر اللّه على النفس عند حصول التسوية وتعديل الاخلاق وتوسيطها بين الأطراف المتضادة بحصول ملكة العدالة ، فبالتسوية الأولى ونفخ الروح الأدنى يستحق الانسان مسجودية القوى الحيوانية والاستواء على عرش الرّوح البخاري بخلافة اللّه في ارض البدن ، وبالتسوية الثانية ونفخ الروح الاعلى يستحق خلافة اللّه في السّماوات ومسجودية الملائكة والاستواء على عرش النّفس الناطقية الكليّة . فإذا علمت الحال في كيفية إفاضة الروح الأدنى على القابل الأدنى ومعنى تسويته والإفاضة عليه وقبوله للفيض ، فقس عليه نظائر ما ذكرنا في كيفية إفاضة الروح الاعلى على القابل الاعلى ، ولا ينبغي ان تفهم من الفيض ما تفهم من فيضان الماء من الاناء على الأرض بانفصال جزء من ماء الاناء عليها ، بل افهم منه لا أقل ما تفهمه ان كنت من أهل التميز من فيضان نور الشّمس على الأرض ، ولقد غلط فيه قوم أيضا فظنوا أنه ينفصل شعاع من جرم الشمس ويتصل بالأرض وينبسط عليها وهو خطاء ، بل نور الشمس سبب لحدوث شيء يناسبه في النّورية وان كان أضعف منه في الأرض ، فكذلك الجود الإلهي سبب لحدوث أنوار الوجود في كلّ ماهية قابلة للوجود على حسب قابليتها ، وأقرب القوابل إليه المادّة الانسانية فأفاض عليها اشرف الأنوار الوجودية ، وعبّر عنه تارة بروحي وتارة بنور ربها كما في قوله : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها « 2 » . فقد ظهر لك من هذه المباحث انّ الروح العلوي من عالم آخر وان مظهره ومورده من
--> ( 1 ) - الحجر 29 . ( 2 ) - الزمر 69 .