صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
387
شرح أصول الكافي
هذا العالم ، ولهذا سمي باسمه ، وهو دائم الحركة كالريح ، فان الريح عبارة عن الهواء المتحرك ، ولهذا اشتق اسمه وهو : الرّوح من الريح . فقوله : ان الروح متحرك كالريح ، بيان لسبب كونه منفوخا واتصافه بصفة المنفوخية . وقوله : انما سمّى روحا لأنه اشتق اسمه من الريح ، بيان لتسمية الروح روحا بوقوع هذا الاشتقاق . وقوله عليه السلام : وانما اخرجه على لفظة الريح ، بيان لوجه هذا الاشتقاق ، فكأنه قيل : لما ذا اشتق له اسم من الريح ؟ فقال : لان الأرواح مجانس للريح ، وتذكير مجانس لأنه على تقدير شيء مجانس ، ووجه هذه المجانسة ان كلا منهما منشأ للحياة ، امّا الرّوح : فمنشأ الحياة الدائمة الأخروية وامّا الريح الّذي مهبطه : فمنشأ الحياة المنقطعة الدّنيوية . فان قلت : فما حقيقة هذا الروح الّتي هي منشأ الحياة الأبدية وما وجه تعلّقه بهذا البدن ؟ أهو داخل فيه أو خارج عنه ؟ متصل به أو منفصل عنه ؟ فنقول : ليس هو بداخل في البدن بالممازجة ولا خارج عنه بالمباينة ، ولا هو متصل به ولا منفصل عنه ، لانّ مصحح الاتصاف بهذه الأمور الجسمية والتميز فقد انتفى عنه ، وكلا الضّدين منفكان عنه ، كما انّ الفلك لا حار ولا بارد والجماد لا عالم ولا جاهل ، لان مصحح الحرارة وضدها العنصرية وقبول الاستحالة والكون والفساد ، ومصحح العلم ومقابله الحياة فإذا انتفى القابل انتفى الضّدان وليس أيضا هو في جهة من الجهات بل منزه عن الاختصاص بالجهات والاتصال بالأجسام والحلول فيها ، ولا هو عرض مطلقا لانّ العرض لا يتصف بصفة لانّه نفس الصّفة ، فلا يقبل صفة سيما الصّفات المتقابلة كالعلم والجهل والشجاعة والبخل والخوف والرجاء والفرح والغم . فان قيل : لما ذا منع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من افشاء هذا السر وكشف هذه الحقيقة فقال تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « 1 » . قلنا : لغموضه وعدم انحصار حقيقته في حدّ خاص ولقصور طبائع الناس عن احتمال حقيقته ومعناه ، بل عن احتمال وصفه ونعته من كونه ليس بجسم ولا جسماني ولا داخل في الأجساد ولا خارج عنها ولا متّصل بها ولا منفصل عنها ، فانّ الناس قسمان : خواص وعوام ، وامّا من غلبت العامية على طبعه فهذه الصّفة لا يتصورها ولا يصدق
--> ( 1 ) - الاسراء 85 .