صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

382

شرح أصول الكافي

الامر والكلمة ، فانّ امره ليس حرفا وصوتا بل جوهرا قدسيا ، وسمّى عالم الخلق خلقا لانّه أوجده اللّه بالوسائط من شيء كقوله : وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ « 1 » فلمّا كانت هذه الموجودات مخلوقة بالوسائط من شيء أي مادة مستحيلة كائنة فاسدة سمّاها الخلق وخلقها للفناء لا للبقاء . فعلم ممّا ذكرنا انّ قوله تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « 2 » ، انّما هو لتعريف الروح ، عني به انه من عالم الامر والبقاء لا من عالم الخلق والفناء ، وانّه ليس على الاستبهام كما ظنّه جماعة انّه تعالى ابهم علم الروح على الخلق واستأثر لنفسه حتى قالوا إن النّبي صلّى اللّه عليه وآله لم يكن عالما به ، وهذا غاية الجهل برتبة النبي صلّى اللّه عليه وآله ، فان الروح الامري هو حقيقة ذاته فكيف لا يعرف هو ذاته ونفسه وقال : من عرف نفسه فقد عرف ربه ؟ فكيف يجوز ان يقال انّه لم يعرف نفسه ولا ربّه ؟ وأكثر الخلائق لمّا لم يبلغ نفوسهم إلى مقام الروح ، فهم لا جرم بمعزل عن معرفة الروح ، واما النبي فجل منصبه وهو حبيب اللّه ونبيّه ان يكون جاهلا بالرّوح مع انّه عالم باللّه ، وقد منّ اللّه عليه بقوله : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً « 3 » ، وامّا سكوته عن الجواب عن سؤال الروح وتوقفه انتظار الوحي حين سألته اليهود لغموض يرى في معناه ودقة لا يفهمها اليهود لبلادة طباعهم وقساوة قلوبهم ، وانّه ما يعقلها الّا العالمون . بل الحق انّ الرّوح لبساطتها وكونها نفس مرتبة من حقيقة الوجود ، لا يمكن كشفها لاحد ولا تعريفها الّا بهذا التعريف الإلهي ، فهوية الروح نشأت من امر اللّه ، ولهذا وقع الاختلاف في كونها قديمة أو حادثة . وفي قوله عليه السلام : هي روح اللّه مخلوقة في آدم وعيسى ، دقيقة يجب التنبيه عليها ، وهي انّه قيد كونها مخلوقة في آدم وعيسى ولم يقل مخلوقة على الاطلاق بلا قيد ، وقد قال نبينا صلّى اللّه عليه وآله : كنت نبيا وآدم بين الماء والطّين . فاعلم انّ الأرواح كلّها مخلوقة من روح واحدة هي روح النبي صلّى اللّه عليه وآله وروحه أصل الأرواح ولهذا سمّى اما ، اي أمّ الأرواح ، كما أن اللوح المحفوظ أمّ الكتاب

--> ( 1 ) - الأعراف 185 . ( 2 ) - الاسراء 85 . ( 3 ) - النساء 113 .