صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

343

شرح أصول الكافي

ممتزج من التأويل في البعض والتشبيه في البعض ، بل اقتصادهم كاقتصاد الفلك أرفع من القسمين وأعلى من جنس الطرفين . ثم لا يخفى على أولى النهي ومن له تفقه في الغرض ، المقصود من الارسال والانزال انّ مسلك الظاهريّين الراكنين إلى ابقاء صور ألفاظ الكتاب وأوائل مفهوماتها أشبه من طريق المؤولين في صون عقائد المسلمين المكلفين بالطّاعة والانقياد البدني لنيل السلامة والنجاة في النشأتين ، لا بالخوض في بحر هلك فيه الأكثرون . وذلك لان ما فهمه الظاهريون من أوائل المفهومات هي قوالب الحقائق التي هي مراد اللّه ومراد رسوله صلّى اللّه عليه وآله ، وليس ما حصل للراسخين في العلم من اسرار القرآن واغواره مناقضا لظاهر التفسير بل هو استكمال له ووصول إلى لبابه من قشره وإلى روحه من قالبه ، كما ستعلم ممّا يظهر لك من حمل الكرسي على العلم كما حمله أمير المؤمنين عليه السلام ، فهذا هو المراد بعلم التأويل لا ما يناقض الظاهر كما ارتكبه القفّال والزمخشري وغيرهما من قولهم لا كرسي ولا عرش ولا قعود ولا استواء « 1 » ، بل المراد تصوير وتخييل للعظمة والكبرياء ، والمراد مجرّد القدرة والسلطان أو العلم ، لانّ هذه كلها مجازات بعيدة لا يصار إليها الا من جهة نقل صريح عن النبي أو الأئمة عليه وعليهم السلام ، ثم ضابط للمجازفات والظنون والأوهام . فلا بد للمفسر ان لا يعول الّا على نقل صريح أو على مكاشفة تامة أو وارد قلبي لا يمكن ردّه وتكذيبه ، والا فسيلعب به الشكوك كما لعبت بقوم تراهم أو ترى آثارهم في هذه القرون أو في القرون الخالية ، وشر القرون ما طوى فيه طريق الرياضة والمكاشفة وانحسم باب التصفية والتجريد وانسد طريق السير إلى الملكوت الاعلى كما هو طريق المخلصين الموحدين ، المعرضين عن الدنيا وأهلها ، المتعرّضين لنفحات اللّه في أيام دهرهم ، المنتظرين لنزول رحمته على سرهم ، فهم من أهل القرآن خاصة الواقفين على اسراره واغواره دون غيرهم سواء كان من الظاهريين المشبهين أو من الباطنيين المنزهين . واما الّذي وعدناك من الكلام المشير إلى مسلك العلماء الراسخين فها أنا أذكر لمعة منه ، لأني أراك عاجزا عن دركه وفهم سره وحقيقته ، فانّه نبأ عظيم وأنتم عنه معرضون وهي : انه ما خلق اللّه من شيء في عالم الصورة الّا وله نظير في عالم المعنى ، وما خلق اللّه

--> ( 1 ) - لا كرسي ولا قعود ولا عرش ولا استواء - م - د .