صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

310

شرح أصول الكافي

إلى الأشياء . وثانيهما الخوض في تأويله ، وقد ذكروا فيه أقوالا أقربها ما ذكره القفال من المعتزلة وهو : ان المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة اللّه وكبريائه ، وتقريره : انّه تعالى لما خاطب عباده في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم فمن ذلك أنه جعل الكعبة بيتا يطوف الناس به كما يطوفون بيوت ملوكهم ، وامر الناس بزيارته كما يزورون بيوت ملوكهم ، وذكر في الحجر الأسود انّه يمين اللّه في ارضه ثم جعله موضعا للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم ، وكذلك ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيّين والشهداء ووضع الموازين ، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشا فقال : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 1 » ، ثم قال : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ « 2 » وقال : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ « 3 » ، وقال : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ . . . يُسَبِّحُونَ « 4 » ، ثم أثبت لنفسه كرسيا فقال : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ « 5 » . إذا عرفت هذا فنقول « 6 » : كل ما جاء من الالفاظ الموهمة للتشبيه من العرش والكرسي فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر ، ولما توقفنا هاهنا على أن المقصود تعريف عظمة اللّه وكبريائه مع القطع بأنه منزه عن أن يكون في الكعبة فكذا الكلام في العرش والكرسي . انتهى كلام القفال . وقد استحسنه كثير من العلماء المفسّرين الذين جاءوا بعده فاتوا على منهاجه ، منهم الزمخشري والرازي والنيشابوري والبيضاوي . اما الزمخشري حيث قال في تفسير قوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ : وما هو الّا تصوير لعظمته وتخييل فقط ، ولا كرسي ثم ولا قعود ولا قاعد كقوله تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ « 7 » ، من

--> ( 1 ) - طه 5 . ( 2 ) - الزمر 75 . ( 3 ) - الحاقة 17 . ( 4 ) - غافر 7 . ( 5 ) - البقرة 255 . ( 6 ) - اي : قال القفال . ( 7 ) - الزمر 67 .