صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

13

شرح أصول الكافي

وامّا بيان الثّانية المشار إليها بقوله عليه السلام : ليس لهما مكان الّا مكانهما ، فهو انّ كون كلّ منهما في مكانه المخصوص دائما الذي لا يحول عنه ابدا لا بد له من سبب وعلّة ، وسببه ليس جسمية كلّ منهما بما هي جسمية والّا لزم اشتراك الأجسام كلّها في ذلك المكان وهو محال ، ولا أيضا امرا لازما للجسمية لما ذكرنا آنفا من لزوم الاطراد المحال ، فهو اذن لخصوصية زائدة على أصل الجسمية ، فهي امّا مقومة للجسمية أو عارضة لها ، لا سبيل إلى الثاني ، لان الكلام عائد في سبب عروض تلك الخصوصية فتجري فيه الاحتمالات الثلاثة ، ويبقى بعد بطلان الأولين انّها لخصوصيّة أخرى وهكذا يرد الكلام ويتسلسل إلى غير النّهاية وهو محال . فثبت انّ تلك الخصوصيّة الموجبة لكلّ منهما في مكانه المخصوص امر مقوم لجسميته داخل في قوامه فيكون صورة جوهريّة لذاته ، فاذن لكلّ من الجسميّة والخصوصية الجوهرية افتقار إلى الأخرى افتقار المادة بالصّورة والصّورة بالمادة ، امّا الجسمية المادية : ففي وجودها وتقوّمها وامّا الصورة النوعية : ففي تشخّصها ولوازم هويّتها الشخصية من التناهي والتّشكل وسائر الانفعالات والحركات ، فهما متلازمان معا في الوجود وليس لواحد منهما تقدّم مطلق على الأخرى في الوجود ولا افتقار مطلق من أحد الجانبين دون الآخر ، فاذن هما معا مفتقران إلى فاعل منفصل خارج عنهما ليس بجسم ولا جسماني ، إذ العرض تابع والجوهر الجسماني حاله كما علمت ، فيكون الذي خصص الشمس بمكانها هو الذي أوجدها أولا بايجاد صورتها المخصوصة وخصّصها بالمكان والشّكل والقدر والحركة وسائر الخواص ثانيا ، وكذا الكلام في القمر ، وسائر الكواكب والأفلاك . فالفاعل لكلّ منها فاطر عليم ومدبّر حكيم مرتفع الذات من عالم الاجرام والطبيعيات فوق الأرض والسماوات ، وإليه أشار بقوله عليه السلام بعد ما بيّن اضطرار الشمس والقمر في حركتهما ومكانهما : والذي اضطرهما احكم منهما وأكبر ، اي في عظم الوجود وشدته لا في عظم المقدار والجسمية . فاعترف الزنديق وقال : صدقت ، إذ لما سمع المقدمات البرهانية القطعيّة لم يبق له مجال الانكار وموضع البحث والاصرار فنطق بالتصديق . ثم أراد عليه السلام توضيحا للمرام وتأكيدا للمقام فاورد الكلام على الوجه العام ، فان ما سموه الدهر وينسبون إليه الآثار والافعال يحتمل ان أرادوا به شيئا غير الطبائع