صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
14
شرح أصول الكافي
الفلكية وغير ما سماه النّاس الوقت والزّمان أو الهيولي أو الظلمة أو الهاوية أو غيرها ، فعمم الحجّة فقال : انّ الّذي تذهبون إليه وتظنّون انّه الدهر . . . إلى آخره . وبيانه : انّ الذي سمّيتموه الدهر وجعلتموه فاعل الأفاعيل وجاعل الآثار والحركات إذا لم يكن عندكم مرتفع الذات عن الجسم والجسمانيّات ولا خارج الهويّة عن عالم الأرض والسّماوات فيجب ان يكون مضطرّا في ذاته وفعله مسخرا في شأنه وصنعه ، إذ كل ما في هذا العالم كذلك ، فانّه مقصور على حده محدود مضطرّا في شأنه ، فانّ النار لا تكون الّا حارة متحركة إلى فوق ، والأرض لا تكون الّا يابسة ساكنة في التّحت ، والماء بارد رطب لا غير والهواء حارة رطبة لطيفة لا غير ، والسّماء مرفوعة والأرض موضوعة دائما من غير عكس . ولا تقدر النار أن تصير باردة ولا الماء ان يصير حارا ولا الهواء أن تكون كثيفة ولا الأرض أن تكون لطيفة ، ولا تقدر السّماء ان تسقط على الأرض ولا الأرض ان تصعد إلى السّماء ، ولا يتماسك ذو فعل طبيعي عن فعله ولا ينقبض كلّ ذي طبيعة عن مقتضى طبيعته وكذا كلّ ما في الأرض والسماء من ذوات الاجرام وطبائعها ، فالجميع مسخّرات مجبورات ومضطرات مقهورات لما هو خارج عنها وعمّا في الأرض والسّماء . فان قلت : نحن نرى أجساد الحيوانات تتحرّك تارة وتسكن أخرى وتميل إلى الجوانب المختلفة من الجهات السّت ، وكذا تأكل تارة وتشرب أخرى وتشتهي وتغضب وتجامع وتنام فيناقض هذا ما ادّعيتموه ، وأيضا يلزم أن تكون هي أشرف من السّماويات ؟ قلنا هيهات : ليست هذه الأفاعيل المختلفة صادرة عن أجسادها ولا عن طبائعها الجرمانيّة وانما هي صادرة عن نفوسها وأرواحها الخارجة عن عالم الأجسام وطبائعها الجرمانيّة ، وليست الأجسام ولا الطبائع الّا مسخرة مقهورة تحت أيدي النفوس والأرواح وعالمها عالم الامر الإلهي الّا انّها متفاوتة في القوّة والتّجرد ، والكلام فيها وفي أنواعها واقسامها ومنازلها في القرب والبعد من اللّه والعلو والدنوّ من الأجسام طويل . فاذن لمّا ثبت وتحقق ان المسمى بالطبيعة الّتي بمنزلة إله الطبيعيين أو الدّهر الذي هو معبود الدهريين ليس الّا مسخّرا مضطرّا في فعله مجبورا مقهورا في صنعه واثره كما بيّن ، ولا بدّ لكلّ مسخّر مضطر ممّن سخّره واضطره ، فيجب ان يكون ذلك المسخر القاهر لطبائع الأشياء الممسك للسماء ان تقع على الأرض وممسكهما ان تزولا امرا خارجا عن عالم الجسمية غير واقع تحت الدهر والطبيعة ، والّا لزم التسلسل أو الدور فينتهي الامر لا محالة إلى وجود