صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
174
شرح أصول الكافي
وسببه الضياء ، فإذا كان السبيل متصلا بينه وبين المرئي والسبب قائم أدرك ما يلاقي من الألوان والاشخاص ، فإذا حمل البصر على ما لا سبيل له فيه رجع راجعا فحكي ما ورائه ، كالناظر في المرآة لا ينفذ بصره في المرآة ، فإذا لم يكن له سبيل رجع راجعا يحكي ما ورائه ، وكذلك الناظر في الماء الصافي يرجع راجعا فيحكي ما ورائه إذ لا سبيل له في انفاذ بصره ، فاما القلب فإنما سلطانه على الهواء وهو يدرك جميع ما في الهواء ويتوهمه ، فإذا حمل القلب على ما ليس في الهواء موجودا رجع راجعا فحكى ما في الهواء ، فلا ينبغي للعاقل ان يحمل قلبه على ما ليس موجودا في الهواء من امر التوحيد جل اللّه وعز ، فإنه ان فعل ذلك لم يتوهم الا ما في الهواء موجود كما قلنا في امر البصر ، تعالى اللّه ان يشبهه خلقه » . الشرح قوله : الأشياء لا تدرك الا بأمرين ، اي المدارك على كثرتها منحصرة في امرين ، لان العوالم على كثرتها منحصرة في عالمين : أحدهما عالم الشهادة والدنيا وثانيهما عالم الغيب والآخرة ، فالمدرك لما في عالم الشهادة هو احدى الحواس الخمس والمدرك لما في عالم الغيب هو القلب ، والمراد بالقلب مجمع المشاعر الباطنية اعني الخيال والوهم والعقل . قوله : والحواس ادراكها على ثلاثة معان ، اي على ثلاثة انحاء ، لأنها متفاوتة في اللطافة والكثافة ، فالتي في غاية الكثافة هي الحاسة اللّمسية وهي أدنى درجات الحيوانية وانزلها حيث لا يخلو عنه حيوان ، وقد يخلو عن ما سواها كالخراطين والحلزونات ، وهي أيضا منبثة في جميع الأعضاء الكثيفة وتمام الجلد واللحم وادراكها بالمماسة ومباشرة الملموس من غير توسط شيء بينهما ، وهذا أيضا دليل كثافتها وبعدها عن صقع الملكوت . والتي في غاية اللطافة من جملتها هي الحاسة البصرية وهي ارفعها درجة من حيث إن ادراكها ليس بالمماسة ولا بمداخلة شيء عليها ، ومن حيث إن ادراكها يتعدى إلى عالم السماويات فتدرك الكواكب التي في الفلك الثامن ، ومن حيث إن آلتها التي بمنزلة البدن الطف الأعضاء واشفّها واقبلها لقبول النور وأصغرها قدرا ، فان قلة الجرم ولطافة الآلة مع كثرة الادراك وشدته علامة قوة القوة وقربها إلى أفق التجرد والاستقلال في الوجود . والتي هي متوسطة بين أدنى الحواس التي هي اللمس وأعلاها التي هي البصر ، هي الثلاث الباقية التي ادراكها بمداخلة شيء إليها وورود متوسط بينها وبين مداركها إليها « 1 » ،
--> ( 1 ) - مدركها - ط .