صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

175

شرح أصول الكافي

فهي ليست بتلك الكثافة حتى تنال المادة الكثيفة الظلمانية بذاتها ولا بتلك اللطافة حتى لا تباشر بنفسها المادة الكثيفة ولا المتوسط المتأدي إليها ، فهي لا تباشر كل المباشرة ولا تباين كل المباينة ، فلتوسطها بين الطرفين تباشر ولكن لا للمادة الكثيفة بل للامر المتوسط كالهواء أو الماء . وهذه ثلاث قوى : السامعة لإدراك الأصوات بتوسط الهواء الحامل للكيفية الصوتية والحرفية والكلامية ، والشامة للمشام والروائح بتوسط البخار الحامل للكيفية الشمية ، والذائقة للطعوم بتوسط الماء اللعابي الحامل للكيفية الذوقية . وهذه الثلاثة أيضا متفاوتة في الكثافة واللطافة ، الطفها السمع ثم الشم ثم الذوق ، حسب تفاوت الأوساط ، فالهواء الصافي الطف من البخار وهو الطف من الماء . واما مدركات قوة اللمس التي معرفتها بالمماسة فهي كالاشكال من التربيع والتثليث والاستدارة والتقبيب « 1 » للسطح ، ومن التكعيب والكروية والأسطوانة والمخروطية للجسم ، وكالملاسة « 2 » والخشونة للسطح ، وكاللين والصلابة للجسم ، وكالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة . واما مدركات البصر الذي يدرك الأشياء لا بمباشرة وتماس ولا بمواصلة امر إليه ، وبالجملة لا بدخوله في حيز غيره ولا بدخول الغير في حيزه ، فهي الأضواء والألوان والاشكال والأوضاع والاشخاص الجسمية وحركاتها وسكناتها . وقوله : وادراك البصر له سبيل وسبب ، أراد بالسبيل المسافة التي بينه وبين المبصر ، فان ادراكه ليس بالمماسة فلا بد من بعد بينهما ، وذلك البعد لا يمكن ان يكون خلاء لاستحالته ولما ذكرنا سابقا ، ولا ان يكون ملاء غليظا يحجب البصر عن المبصر ، بل جسما لطيفا وهو الهواء وما يجري مجراه في اللطافة ، وتسميته بالسبيل اما على مذهب من يرى أن الابصار بخروج شعاع من البصر إلى المبصر فذاك ، واما على مذهب غيره فمن جهة توجه النفس إلى جهة المرئي ، وأراد بالسبب ما به يخرج البصر من القوة ، إذ ليس في جوهر الباصرة التي في العين كفاية في أن تصير مبصرة بالفعل ولا في جواهر الألوان وما يتبعها كفاية في أن تصير مبصرة بالفعل ، فإذا وقع ضوء الشمس على البصر واتصل به وعلى الألوان واتصل بها

--> ( 1 ) - قبب : بناء سقفه مستدير مقعر . ( 2 ) - الملاسة : ضد خشن فهو أملس .