صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
173
شرح أصول الكافي
بينهما ، فان الهند والسند والبلدان النائية التي لم تدركها الحواس بل التي يخترعها الوهم والخيال ، ليست بموجودة « 1 » في جهة من الجهات أو في صقع « 2 » من الاصقاع أصلا . ثم التي أدركتها الحاسة من خارج وفي مادة مخصوصة ليست هي بعينها في صقع الخيال والتي في الخيال ، لا تدرك بهذه الحواس ولا تلمس ولا يشار إليها ولا بينها وبين جزء من هذا العالم امتداد خطي ولا اتصال بعدي ، ولعل الف رجل في ليلة واحدة لحظة واحدة أدركوا بلدا واحدا كالسند مثلا على جهات وأوضاع مختلفة ، أو رجلا واحدا استحضر في خياله سبع سماوات واضعافا مضاعفة منها بحيث يشاهدها كمشاهدة الحس المحسوسة ، فكيف تكون هذه الصور موجودة في هذا العالم ؟ والتي من أصور الحسية تكون في مادة خارجية إذا وردت الأخرى بطلت الأولى كالماء إذا صار هواء ، وكذا المرتسم في لوح مادي من النقوش أو الأرقام إذا طرأت عليه نقوش وأرقام أخرى تشوش الكل وبطل بخلاف جوهر القلب وصفحة الصدر ، فكلما ازدادت الصور أدركت بلا مزاحمة . فهذه وأمثالها دلائل على أن قوة الخيال وصورها الادراكية مجردة عن هذا العالم قائمة بذواتها وذات مبدعها وقيومها ، وإذا كانت هذه القوة مجردة فما قبلها من العقول أولى ، وإذا كانت أوهام القلوب وادراكات العقول قاصرة عن البلوغ إليه تعالى كما مربيانه فكيف حال ابصار العيون ؟ الحديث الثاني عشر وهو السادس والستون والمائتان « علي بن إبراهيم عن أبيه عن بعض أصحابه عن هشام بن الحكم قال : الأشياء لا تدرك الا بأمرين : بالحواس والقلب ، والحواس ادراكها على ثلاثة معان : ادراكا بالمداخلة وادراكا بالمماسة وادراكا بلا مداخلة ولا مماسة ، فاما الادراك الذي بالمداخلة فالأصوات والمشام والطعوم ، واما الادراك بالمماسة فمعرفة الاشكال من التربيع والتثليث ومعرفة اللين والخشن والحر والبرد ، واما الادراك بلا مماسة ولا مداخلة فالبصر فإنه يدرك الأشياء بلا مماسة ولا مداخلة في حيز غيره ولا في حيزه ، وادراك البصر له سبيل وسبب ، فسبيله الهواء
--> ( 1 ) - موجودة - م - ط . ( 2 ) - صقع - م - ط - د .