صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

163

شرح أصول الكافي

رؤية . فاذن رؤية اللّه حق بشرط ان لا يفهم من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصور مخصوص بجهة ومكان ، فان ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب علوا كبيرا ، بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقية من غير تخيل وتصور وتقدير شكل وكيف فتراه في الآخرة كذلك . بل نقول : ان المعرفة الحاصلة في الدنيا هي التي تستكمل فيبلغ كمال الكشف والوضوح وينقلب مشاهدة ، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف الا من جهة زيادة الكشف والوضوح وتأكد الوجود وقوة القوام ، كما في استكمال الخيال بالرؤية ، وإليه الإشارة بقوله : نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا « 1 » . وكما ينكشف له بذلك النور ذات اللّه وصفاته عيانا فكذلك يشاهد عالم الربوبية ويعاين الحضرة الإلهية بلا كسوة المثال وصورة الخيال . واما إذا كانت النفوس ملوثة بالكدورات الدنياوية غير منفكة عن رذائل الصفات وخبائث الملكات ، فان كانت جاهلة والخبائث والاصدية متراكمة فلا تقبل الاصلاح والتهذيب ، فهؤلاء هم المحجوبون عن رب العالمين ابد الآبدين كما قال تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ « 2 » . وان كانت مسلمة عارفة والخبائث غير راسخة ولا منتهية حد الطبع والرين ولم يخرج عن قبول التزكية فتعرض على النار عرضا يقمع منه الخبث المتدنس به ، ويكون العرض على النار بقدر الحاجة إلى التزكية ، وأقلها لحظة وأقصاها في حق المؤمنين كما في بعض الأخبار سبعة آلاف سنة ، فإذا أكمل اللّه تطهير النفس وبلغ الكتاب اجله ووقع الفراغ عن جملة ما وعد به الشرع فعند ذلك يستعد للقاء اللّه والحضرة الإلهية . فإن كان ما حصّله في الدنيا من الأصول الدينية علوما حقيقية حاصلة من جهة البرهان واليقين فيلحق بالملإ الاعلى ويشرب شراب المقربين من الكأس الأوفى مطالعا جمال اللّه وجلاله بعين العقل وحقيقة العرفان .

--> ( 1 ) - التحريم 8 . ( 2 ) - المطففين 15 .