صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

164

شرح أصول الكافي

وان كان ما يعتقده ويأخذه من الشارع أو المعلم من باب التقليد والتسليم ، لا على وجه التحقيق واليقين ، فدرجته بعد الخلاص دون درجة المقربين ، وله ما تشتهي نفسه وتلذ عينه في كسوة الأمثال ، فينسرح نفسه في مواطن الجنان ومساكن الرضوان ، ولا يبعد ان يتجلى اللّه لبعض هؤلاء على صورة معتقده بواسطة القاء شبح روحاني على حسب ما يعتقده في الدنيا مع ضرب من التجريد والتنزيه . فهذا تحقيق القول في هذا المقام توضيحا وتبيينا لما افاده عليه السلام بقوله : ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان . ثم اعلم انّه قد تبين في العلوم ان الامر البسيط الذي لا مبدأ له ولا جزء بوجه من الوجوه فلا سبيل إلى اكتساب معرفة ذاته الا من طريق الاستدلال بالقياس ، وإذ لا مشارك له في الماهية ولا يدرك من جهة الحواس ، بل ذات من لا مبدأ له ولا جزء له ولا مثل ، اما مجهول محض واما معلوم بصريح العرفان الكشفي ، وشهود الذات المنكشفة على عين البصيرة من غير واسطة ، قياس أو حسّ ، وإليه الإشارة بقوله : لا يعرف بالقياس ولا يدرك بالحواس ، وأراد بقوله عليه السلام : ولا يشبه بالناس ، ان كل ما يدركه الانسان بإحدى الحواس والمشاعر فهو مشابه له لا محالة في صفته التي عليها ذلك الشيء ، وهو تعالى منزه عن التشبيه . ثم أراد ان يشير إلى اندفاع شبهة أخرى وانحلال عقد اشكالها وهو : انه إذا لم يكن ذاته تعالى معلوما لاحد من الناس ، الا لواحد بعد واحد من أكابر الأولياء ، فمن المعبود في العبادات والمقصود في الدعوات والمرغوب إليه في انجاح الطلبات ورفع الحاجات والمرهوب عنه في النقمات وانزال البليّات ؟ فأشار إلى الجواب بقوله : موصوف بالآيات معروف بالعلامات ، وذلك لان البراهين المفيدة للقطع واليقين على قسمين : أحدهما اللمي المفيد لحقيقة المطلوب من طريق مقوماته ومباديه ، وهذا محال في حق اللّه . وثانيهما البرهان الإنّي المفيد للعلم بوجود الشيء مطلقا ، لا بحقيقته المخصوصة ، وهو الاستدلال من آثار الشيء وآياته وافعاله وعلاماته . فالحق الأول تعالى وان لم يكن على حقيقة ذاته برهان ولا حد ، ولكن النظر في اجزاء العالم ووجود الحوادث والحركات على اتقن وجه واحكمه يعطي ان في الوجود قيوما