صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

146

شرح أصول الكافي

على الصّراط . قوله عليه السلام : وهذا دليل على أن اللّه لا يرى بالعين ، إذ العين يؤدّي إلى ما وصفناه ، وذلك لأنك قد علمت أن المعرفة في الدنيا بذر المشاهدة في الآخرة ونسبة الدنيا إلى الآخرة نسبة الزرع إلى الثمرة ، بل نسبتهما إلى القبر نسبة النطفة إلى الجنين أو الجنين إلى الطفل ، ونسبة القبر إلى البعث نسبة الجنين إلى الطفل أو الطفل إلى الصبي أو البالغ « 1 » ، وبالجملة نسبة النقص إلى الكمال والضعف إلى الشدة . فانظر ان المعرفة العقلية التي هي عبارة عن الايمان إذا كملت وقويت واشتدت حتى يصير علم اليقين ، هل يؤدّي إلى الادراك الحسّي بهذه العين الجسدانية الداثرة ؟ لا أظنك شاكا في بطلان هذا القول . فان الحس كيف يكون كمالا للعقل ؟ والمحسوس انى يكون غاية وتماما للمعقول وهو منه في غاية التخالف والتضاد ؟ فقد وضح الامر وانكشف ان الايمان الحقيقي الذي هو نور معرفة اللّه إذا اشتد وكمل وتم ، وهو غاية سعي السالكين ونهاية ثمرة الزارعين واخر درجة المتقين وقرة عين الواصلين كما في قوله : رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا « 2 » ، لا يؤدّي ولا ينتهي إلى الاحساس بهذه الآلة الجسمانية ، فإذا بطل كون هذا الاحساس ايمانا ، ولا كون الايمان مؤديا إليه ولا لشيء من الايمان وما يتعلق به من الأعمال الصالحة مناسبة ذاتية إليه ولا جهة ارتباطية به حتى يقال إن الرؤية اخر ذلك العمل ، إذ التعلق مفقود بين القلب المعنوي النوراني المحشور إلى اللّه وبين الحسّ الداثر المظلم المخلوق من مواد الظلمات والزور المحجوب عن عالم النور ودار السرور . وأيضا قد تقرر في علم الميزان : ان الاحساس بالشيء لا يكون كاسبا ولا مكتسبا ، بل الذي يؤدي إليه الاعتقاد القلبي والقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة ، إذا اشتد وكمل ان يرفع به الحجاب بين العين العقلي والبصيرة المعنوية وبين المعبود الحقيقي والمحبوب الأصلي . وقوله : إذا العين يؤدي إلى ما وصفناه ، المراد ان الرؤية بالعين تؤدّي إلى ما وصفناه من لزوم أحد المحالين : اما عدّم تحقق مؤمن في الدّار الدنيا المستلزم لعدم تحققه في دار

--> ( 1 ) - أو الصبي إلى البالغ - م . ( 2 ) - التحريم 8 .