صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

145

شرح أصول الكافي

جنسا مبهما بينهما غير تام الحقيقة المتحصلة ، كجنس المتضادين مثل اللونية بين نوعي السواد والبياض ، لان الايمان امر محصّل وحقيقة معينة فهو امّا هذا واما ذاك ، فإذا كان ذاك لم يكن هذا وان كان هذا لم يكن ذاك ، فإذا فرض ان الرؤية بالبصر هو الايمان لم يكن المعرفة المكتسبة ايمانا فلم يتحقق مؤمن في الدنيا ، إذ لم يروا اللّه جهرة بل من اقترحها اخذته الصّاعقة ، ولكن التالي باطل بالضرورة عقلا ونقلا لقوله تعالى في كثير من مواضع القرآن : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا * ، وقوله : آمِنُوا بِاللَّهِ * ، و آمِنُوا بِرَبِّكُمْ ، أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا * « 1 » ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ « 2 » ، وغير ذلك من الآيات ، فالمقدم مثله . قوله : وان لم يكن المعرفة التي من جهة الرؤية ايمانا . . . إلى آخره ، يعني وإذا ثبت ان ليست المعرفة التي تضمنتها الرؤية البصرية ايمانا ، فثبت وتحقق ان هذه المعرفة الحاصلة في العقل من طريق الاكتساب ايمان وهو الايمان بالغيب ما دام المؤمن في الدنيا كما في قوله تعالى : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ « 3 » ، فنقول : هذا الايمان الذي هو المعرفة العقلية الحاصلة من طريق الاكتساب بالدليل والبرهان لا يخلو اما ان يكون زائلا عن قلب المؤمن فاسدا بفساد بدنه وموت قالبه أو غير زائل عنه بل باق معه في البعث والحشر ، لكن الأوّل باطل وهو المراد بقوله : ولا يزول في المعاد ، أي والحال انه لا يزول في المعاد بلا خلاف لاحد من أهل الاسلام ، اللهم الّا ان يكون ضعيفا متزلزلا غير متيقن ، كيف وقد علمت أنه المقصود الأصلي من وضع الشرائع وبعث الرسل ؟ وأيضا المعرفة ليست امرا متعلقا بمواد هذا العالم حتى يقبل الفساد بفساد حامله ، لأنها قائمة بجوهر روحاني عقلي ، في الحديث : التراب لا يأكل محل الايمان ، بل هو منشأ بقاء الآخرة وهو نور الحياة في دار الحيوان وبه المشي في ارض الآخرة والانسراح في رياض الرضوان ، كما أن نور الحسّ والحركة منشأ الحياة الطبيعية في هذا العالم دار البهائم وعالم الديدان . فإذا ثبت انّ هذه المعرفة الايمانية ثابتة مع المؤمن في المعاد وبه يستضيء قبره وبرازخ منازله إلى يوم البعث ، وبقدر نور الايمان وشدته يكون سعيه في الآخرة وسرعة مشيه

--> ( 1 ) - الأنفال 4 . ( 2 ) - البقرة 285 . ( 3 ) - البقرة 3 .