صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

95

شرح أصول الكافي

ذاته فهو كذلك ، لأنه تام في فاعليته كما هو تام في ذاته ، لكن لا يلزم من ذلك نفي الغاية والداعي عن فعله مطلقا حتى يلزم العبث والجزاف ، تعالى عما يظنّه الجاهلون ، بل علمه بنظام الخير الذي هو نفس ذاته علّة غائية وغرض بالذات لفعله وجوده ، وهذا مما ساق إليه الفحص والبرهان وشهدت به عقول الفحول وأذهان الأعيان . قال أبو علي بن سينا في تعليقاته : ولو انّ انسانا عرف الكمال الذي هو واجب الوجود بذاته ثم كان ينظم الأمور التي بعده على مثاله حتى كانت على النظام والاحكام لكان غرضه بالحقيقة واجب الوجود بالذات الذي هو الكمال ، فإن كان واجب الوجود هو الفاعل فهو أيضا الغاية والغرض . انتهى « 1 » . ثم نقول : كما أن المبدأ الاوّل غاية الأشياء بالمعنى المذكور فهو أيضا غاية بالمعنى الثاني ، وذلك لان جميع الأشياء طالبة لكمالاتها متوجهة إلى الخير ومتحركة في تحصيل ذلك الكمال بحسب أقصى ما يتصور في حقها ، كما ترى المبادى الطبيعية يتوجه إلى كمالاتها وغاياتها المترتبة في الشرف والفضيلة ، فيتوجه دائما أخسها إلى أشرفها ويتقلب أدناها إلى ارفعها ، وهكذا من الأخس إلى الأشرف فالأشرف ، ومن الأدنى إلى الارفع فالارفع ، إلى أن يصير اخر الأكوان الطبيعية اوّل الأكوان النفسانية وآخر منازل الدنيا أوّل منازل العقبى . فالموجودات على ترتيبها منازل ومراحل إلى اللّه تعالى ، فلكل منها عشق وشوق إليه ، اراديا كان أو طبيعيا ، ولهذا الحكماء المتألهون المقتبسون أنوار علومهم من مشكاة نبوّة الأنبياء عليهم السلام حكموا بسريان نور العشق والشوق في جميع الموجودات على تفاوت طبقاتها في الوجود ، ف لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها « 2 » ، وإليه الإشارة أيضا في قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ « 3 » . وذكروا أيضا وهو الحقيق بالتحقيق : ان الفواعل الطبيعية وغيرها لا تفعل شيئا الا لما فوقها ، فان القوى الأرضية أيضا كالنفوس الفلكية والملائكة السّفلية كالملائكة العلوية في

--> ( 1 ) - لكثرة اختلاف النسخة ننقل هذه الفقرة برمتها : ولو أن انسانا عرف الكمال الذي هو حقيقة واجب الوجود ثم كان ينظم الأمور التي بعده على مثاله حتى كانت الأمور على غاية النظام لكان الغرض بالحقيقة واجب الوجود بذاته الذي هو الكمال ، فإن كان واجب الوجود بذاته هو الفاعل فهو أيضا الغاية والغرض « التعليقات » . ( 2 ) - البقرة 148 . ( 3 ) - الاسراء 44 .