صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

63

شرح أصول الكافي

سائر ما يعده الجمهور علما وفضيلة . واما في طريق الوصول وسبيل الهدى ، وهم المتعلمون الذين اشتغلوا باكتساب العلوم الحقيقية التي يصير النفس بها عقلا وعاقلا بالفعل . والقسم الباقي هو الّذي ليس بواصل إلى ما خلق لأجله ولا في طريق الوصول إليه ، فهو من الهالكين إذ بطل معاده وفسد استعداده ، وانما استعير لاسمه الغثاء لمشاركته معها في بطلان الصورة ، وفساد القوة التي تحرك المادة إلى صورة أخرى فوقها هي غاية الأولى وكمالها ، كما في سائر الطبائع التي هي متوجهة بالفطرة التي فطرها اللّه عليها إلى ما هو اشرف منها وأقرب إلى جهة الآخرة ودار البقاء والقرار . إذ الموجودات كلها على مراتبها ومنازلها في القرب والبعد من الحق تعالى ، متوجهة نحوه سائرة إليه تعالى ما دامت على صورتها وفطرتها الأصلية . لكن إذا فسدت أو انسلخت عن صورتها بعروض عارض مفسد كالغثاء ونحوها من المواد المتعفنة والصور العاطلة الضائعة ، وقفت عن طلب غايتها وتعطلت عن سيرها . قال تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ( البقرة - 148 ) ، الا ترى المعادن يستحيل إلى أجسام النبات والنبات يستحيل إلى أجسام الحيوان ؟ واشرف الحيوانات هو الانسان ، فصورة النبات صراط ممدود وقد جاوزتها النفس الحيوانية ونجت منها ، ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( هود - 56 ) وصورة الحيوان صراط ممدود وقد جاوزتها النفس الانسانية ونجت منها ، وصورة الانسان صراط مستقيم بين النار والجنة واقع على متن جهنم التي قال تعالى في شأنها : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ( مريم 71 و 72 ) . وهذه الصورة اخر باب في جهنم ، فأي نفس جازتها نجت من جهنم ودخلت الجنة التي فيها الصور الخالصة الطاهرة كصور الملائكة والروحانيين ، وإلا ردت إلى أسفل سافلين كما قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( التين - 4 و 5 ) . . . الآية . فالعلماء الربانيون هم الذين جاوزوا هذه الصراطات والحجب ، ووصلوا