رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

453

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

الكريم الذي تفضّل عليك بما تفضّل به أوّلًا ، هو متفضّل عليك آخراً ، فربطه في المعاصي . وقيل للفضيل بن عياض : إن أقامك اللَّه يوم القيامة وقال لك : « ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » ماذا تقول ؟ قال : أقول : غرّتني ستورك المرخاة . وعن يحيى بن معاذ : أقول : غرّني بك برّك بي سالفاً وآنفاً . [ و ] عن غيره : أنّه سبحانه إنّما « ذكر الكريم » من بين سائر أسمائه لأنّه كان لقّنه الإجابةَ حتّى يقول : غرّني كرم الكريم . « 1 » أقول : يظهر من كلام أمير المؤمنين عليه السلام أنّ ذكر الكريم تقريع وتوبيخ لمن مات على معصية ربّه بلا توبة مع ما رأى في نفسه من صنوف آثار كرمه وإحسانه ، ومن أعظمها أنّا أغفلنا عن كثير من وظائف فروضه ، وتعدّينا عن مقامات حدوده إلى حرمات انتهكناها ، وهو - جلّت نعماؤه وجسمت آلاؤه - يستر علينا تكرّماً ، ويتأنّى بنا وينتظر مراجعتنا تحلّماً ، ولم يبتدرنا بعقوبته ، ولم يعاجلنا بنقمته ، ومع هذا كلّه دلّنا على التوبة وحثّنا عليها ، ووعدنا القبولَ ، فقال : « اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً » « 2 » ، وقال : « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى » « 3 » ، فالتمادي على المعصية إلى الخروج إلى دار الجزاء بلا التوبة والاستغفار غاية الغفلة ، ونهاية الاغترار خصوصاً ، وقد سمع اللَّه - عزّ من قائل - يقول : إنّه سينالهم عن ذلك ، فلينظر ناظر بعقله هل الغرض في الإخبار تنبيههم عن نوم الاغترار ، وتخويفهم عن السؤال ، أو إغراؤهم على ما هم عليه ؟ وفي نهج البلاغة : ومن كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته : « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » : أدْحَضُ مسؤولٍ حجّةً ، وأقطعُ مغترٍّ معذرةً ، لقد أبْرَحَ جَهالةً بنفسه ، يا أيُّها الإنسانُ ما جرّأك على ذنبك ؟ وما غرّك بربّك ؟ وما آنسك بهُلكة نفسك ؟ أمّا دائك « 4 » بُلولٌ ، أم ليس

--> ( 1 ) . جوامع الجامع ، ج 3 ، ص 74 . ( 2 ) . نوح ( 71 ) : 10 . ( 3 ) . طه ( 20 ) : 82 . ( 4 ) . في المصدر : « أما من دائك » .