رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
454
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
من نومتك يَقْظَةٌ ؟ أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك ؟ فلربّما ترى الضاحِيَ « 1 » الشمس فتِظُلُّه ، أو ترى المُبتلى بأَلَمٍ يُمِضُّ جسدَه فتبكي رحمةً له ، فما صبّرك على ذاتك « 2 » ، وجلّدك على مصابك ، وعزّاك عن البكاء على نفسك « 3 » ، وكيف لا يوقظك خوفُ بياتِ نِقْمةٍ وقد تورَّطْتَ بمعاصيك مدارج سطواته ، فَتَداوَ من داء الفترة في قلبك بعزيمةٍ ، ومن كَرَى الغفلة في ناظرك بيقظةٍ ، وكن للَّهمطيعاً ، وبذكره آنساً ، وتَمَثَّلْ في حال تولّيك عنه إقبالَه عليك يدعوك إلى عفوه ، ويتغمّدك بفضله ، وأنت متولٍّ عنه إلى غيره ، فتعالى مِن قويٍّ ما أكْرَمَه ، وتواضَعْتَ من ضعيفٍ ما أجرأكَ على معصيته ، وأنت في كنف ستره مقيمٌ ، وفي سَعَةِ فَضْله متقلِّبٌ ، فلم يمنعك فَضْلَه ، ولم يَهْتِكْ عنك سِتْرَه ، بل لم تَخْلُ من لطفه مَطْرَفَ عينٍ في نعمةٍ يُحْدِثُها لك ، أو سيّئةٍ يسترها عليك ، أو بليّةٍ يَصْرِفُها عنك ، فما ظنُّك به لو أطَعْتَه . وأيم اللَّه لو أنّ هذه الصفة كانت في متّفقَيْن في القوّة متوازيَيْن في القدرة لكنتَ أوّل حاكم على نفسك بذميم الأخلاق ، ومساوي الأعمال ، وحقّاً أقول : ما الدنيا غَرَّتْك ولكن بها اغتررتَ ، ولقد كاشفَتْك العِظات ، وآذَنَتْكَ على سواءٍ ، ولَهِيَ بما تَعِدُك - من نزول البلاء بجسمك والنقصِ في قوّتك - أصدَقُ وأوفى من أن تَكْذِبَكَ أو تُغُرَّكَ ، ولَرُبَّ ناصحٍ لها عندك متّهمٌ ، وصادقٍ من خبرها مُكذَّبٌ ، ولئن تَعَرَّفْتَها في الديار الخاوية والربوع الخالية لَتَجِدَنَّهَا من حسن تذكيرك ، وبلاغ موعظتك بمحلّة الشفيق عليك ، والشحيح بك . ولنعم دارُ من لم يرضَ بها داراً ، ومحلُّ من لم يُوَطِّنْها محلّاً ، وأنّ السُّعداء بالدُّنيا غداً هم الهاربون منها اليوم ، إذا رجفت الراجفة ، وحَقَّتْ بجلائلها القيامةُ ، ولَحِقَ بكلّ مَنْسَكٍ أهلُه ، وبكلّ معبودٍ عَبَدَتُه ، وبكلّ مطاعٍ أهل طاعته ، فلم يَجُزْ في عدله وقسطه يومئذٍ خَرَقُ بَصَرٍ في الهواء ، ولا هَمْسُ قَدَمٍ في الأرض إلّابحقّه ، فكم حجّةٍ يوم ذاك داحظةٌ
--> ( 1 ) . في المصدر : + / « من حرّ » . ( 2 ) . في المصدر : « دائك » . ( 3 ) . في المصدر : + / « وهي أعزّ الأنفس عليك » .