رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
28
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
الحديث : « قصم ظهري رجلان : عالم متهتّك ، وجاهل متنسّك » « 1 » . واللام في « لابتذال » موطّئة للقسم . وفي القاموس : « الابتذال : ضدّ الصيانة » « 2 » . ولعلّ المعنى أنّ جعل نعم اللَّه مبتذلةً بالفعال - بأن يصرف في مصارفها الممدوحة في الشرع ، ولا يهتمّ بجمعها وادّخارها وحفظها وحراستها زائداً على ما في سنن العقل والشرع ، ولو ضاع مال من حدثان الدهر لم يضطرب كلّ الاضطراب ، كما هو شأن الحريص على الدنيا والبخيل بها - أحبّ إلى اللَّه تعالى من جعلها مبتذلةً بالمقال بأن يذمّها ويصفها بالسوء ، كما هو شأن المتصوّفة الجهلة . والغرض من إيراد الآية الكريمة أنّ اللَّه تعالى أمر بتحديث نعمه ، وظاهر أنّ المراد ذكرها على وجه الاستعظام لا الاستحقار ، فابتذاله بالمقال خلاف مقتضى الآية ، وعدم قبول الأنبياء والأوصياء عليهم السلام لأصلها لئلّا ينكسر قلوب الفقراء ، ولأنّ لهم مع اللَّه تعالى شؤوناً وأحوالًا وأزماناً وأوقاتاً أجلّ وأرفع من أن يتوجّهوا فيها إلى مرمّة الدنيا ، فلو قبلوها بدون أن يرمّوها لكان في ذلك التضييعُ ، فلم ينالوا منها إلّابقدر ما ألزمه العقل والشرع ، وكان سيّدنا صلى الله عليه وآله كثيراً ما يدعو ويقول : « اللّهمَّ ارزق محمّداً وآل محمّد الكفاف والعفاف » « 3 » . وكان إذا رزق مالًا زائداً على الكفاف صرفه ، ولم يحبسه أكثر من زمان لقاء المستحقّ وإن كان الشرع أباح التوسّع في الحلال ، ولكن حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين ، وكلامنا في أصحاب اليمين دون السابقين . وقد ذكرت فصلًا من أحوال المال في المثنويّ المسمّى ب « نان وپنير » محتذياً بمثنويّ الشيخ الأجلّ بهاء الملّة والدين الذي سمّاه ب « نان وحلوا » حيث بيّنت أنّ سلوك
--> ( 1 ) . غرر الحكم ، ص 48 ، ح 245 ؛ معدن الجواهر للكراجكي ، ص 26 ؛ منية المريد ، ص 181 ؛ بحارالأنوار ، ج 2 ، ص 111 ، ح 25 . ( 2 ) . القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 334 ( بذل ) . ( 3 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 140 ، باب الكفاف ، ح 4 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 69 ، ص 61 ، ح 4 .