رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

498

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

كفاك مؤونتها ، إنّما عليك أن تنذرهم ، وتحذر عن متابعة الهوى والغفلة ، وبعد التأثّر بالإنذار ورفض الهوى بحملهم العقول على طلب مرضاة اللَّه تعالى ومسخطاته ، وحينئذٍ ينصب لهم من دلائل النبوّة ما يناسب حالهم ، ويثبت به الحجّة عليهم ، ولا يعلم ذلك إلّاالذي جبل الخلائق على طبائع مختلفة وعقول متفاوتة ، وكثيراً ما يثبت صدق النبيّ بإخبار نبيّ سابق ، وربّما يثبت بمحامد خصال اجتمعت فيه ، وربّما ينغرس الصدق بمجرّد مشاهدة السيماء . فظهر من هذا البيان أنّ المقصود جواب قولهم : « لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ » وهو قد تمّ بقوله تعالى : « إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ » ولا مدخل في ذلك لقول : « وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ » فينبغي الوقف على « مُنْذِرٌ » وجَعْلُ « وَلِكُلِّ قَوْمٍ » كلاماً مستأنفاً . وقد حُرم هذا الفهمَ البيضاوي « 1 » ، ورُزق الكواشي ، قال : المنذر : محمّد . والهادي : عليّ . ومن جعل الهادي محمّداً لم يقف على منذر ؛ لأنّ المعنى : إنّما أنت منذر وهاد ، ومن جعل غيره وقف على منذر . انتهى . أقول : لو كان المراد أنّ الهادي محمّد ، كان حقّ العبارة : « إنّما أنت منذر وهاد لكلّ قوم » أو « إنّما أنت منذر لكلّ قوم وهاد » . ومن له ذوق سليم ودراية بأساليب الكلام لا يخفى عليه صدق ما قلناه ؛ فتدبّر . وفي تفسير عليّ بن إبراهيم : حدّثني أبي ، عن حمّاد ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام ، قال : « المنذر : رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، والهادي : أمير المؤمنين عليه السلام وبعده الأئمّة عليهم السلام ، وهو قوله : « وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ » [ أي ] في كلّ زمان إمام هاد » . وهو ردّ على من ينكر أنّ في كلّ عصر وزمان إماماً ، وأنّه لا تخلو الأرض من حجّة ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : « لا يخلو الأرض من قائم بحجّة للَّه إمّا ظاهراً مشهوراً ، أو خائفاً مغموراً ؛ لئلّا يبطل حجج اللَّه وبيناته » « 2 » انتهى . ولعلَّ قوله سبحانه : « وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ » شبه استيناف ؛ لما عسى أن يخطر بالبال من أنّ

--> ( 1 ) . أنوار التنزيل ، ج 3 ، ص 319 . ( 2 ) . تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 359 .